ونصَّ الحنفية على أن الواجب في النار الصحيح الوفاء بأصل القُرْبة، لا بكل وصفٍ الْتزمه الناذر، فلو نذَر أن يتصدَّق بهذا الدرهم فتَصدَّق بغيره عن نذْره، أو نذَر التصدُّق في هذا اليوم فتصدَّق في غدٍ، أو نذَر التصدُّق على هذا الفقير، فتصدَّق على غيره أو نذَر التصدُّق على فقراء مكةَ، فتصدَّق على فقراءِ غيرها، أو نذَر التصدُّق بعشرة دراهم خُبزًا فتصدَّق بغير الخُبز مما يُساوي عشرة دراهم، أو تصدَّق بثمنه، صحَّ في كل ذلك؛ لأنه لا دخل لهذه الأوصاف في صَيْرُورة الفعل قُرْبة، بلْ هو قُرْبةٌ بدون اعتبارها، والواجب إنما هو الوفاء بما هو قُربة في ذاته، كما نصُّوا على أن التصدُّق على الأغنياء ليس بقُربة، فلا يصحُّ نَذْرُه.
إذا علمت هذا فالناذر في هذا السؤال إذا قصد بأهل قريته خُصوص فُقرائهم صحَّ النذْر، ووجب الوفاء به، فيتصدَّق عليهم بنفس اللحم، وهذا باتفاق أو بثمنه، وهذا عند الحنفية إذا كان أنفع لهم، كما ذهبوا إليه في صدقة الفِطْر والإطعام في الكفارة، وإذا قصد الأغنياء وحدهم، لا يصح النذْر، وإذا قصدَ الجميع فمُقتضى مذهب الحنفية عدم صحة النذر؛ لأن الصرْف إلى الأغنياء ليس قُرْبة إلا أن يكونوا أبناء سبيلٍ، ولا يُجزئ في النذْر، كما لا يُجزئ في الزكاة والكفارة، وفِدْيَةُ الصوم.
ويصحُّ النذر عند الحنابلة على ما ذكره ابن قدامة حيث قال: إنْ نذَر فعْل ما هو طاعة وما ليس بطاعة لزِمه فعْل الطاعة، كما في خبر أبى إسرائيل وقد نذَر أن يقوم في الشمس ولا يستظلُّ، ولا يتكلم، ويصوم فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"مرُوهُ فلْيَستظلّ ولْيَجْلِسْ ولْيَتكلَّمْ ولْيُتِمَّ صوْمَهُ". فأمره بإتمام الصوم وترْك ما سواه لكونه ليس بطاعة.