فأما الاستغلال بالمزارعة وهي نوع مِن التأجير مشروع، فأصله أن أهل المدينة كانوا أكثر الناس حقولًا ومزارعَ، وكانوا في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستغلون الأرض بطريق المزارعة وتُسمَّى أيضا المُخابرة مُشتقة من الخبير، وهو الفلاح."وهي عقد بين المالك والعامل على كِراء الأرض ببعض ما يخرج منها"فتارةً كانوا يُحدِّدون نصيب المالك بالشطْر أو الثلث أو الربع، وتارةً يُحددونه بما يَنبت على حافَّة الأنْهُر أو الجداول أو السواقي، أو أن له ثمرةَ قطعةٍ مُعينة من الأرض وللعامل ثمرة قطعة أخرى، ونحو ذلك مما شأنه أن يُفضي إلى التنازُع والتشاحُن وأكْل الأموال بالباطل لمَا فيه من الجهالة والغَرَرِ. وتارة يجمعون بين التَّحْدِيدين. فنهي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن النوعين الآخرين من الكِراء؛ لمَا فيهما من المُخاطرة المُفضية إلى النزاع. وعن حنظلة بن قيس الأنصاري. قال سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفِضة فقال: لا بأس به. إنما كان الناس يُؤاجرون على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما على المَاذيانات"لفظة مُعرَّبة معناها حافة النهر ومسايل الماء"وأقبال الجداول"رءوس الأنهُر الصغيرة"وأشياء من الزرع فيَهلك هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، ولم يكن للناس كِراء إلَّا هذا، فلذلك زَجَرَ عنه، فأمَّا شيء معلوم مضمون فلا بأس به. رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي رواية عن رافع، قال حدَّثني عمَّايَ أنهما كانا يَكْتريانِ الأرض على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما يَنبت على الأربعاء"جمع ربيعٍ وهو النهر الصغير"وبشيء يستثنيه صاحب الأرض فنهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك. رواه البخاري وأحمد والنسائي. وفي رواية عنه: كُنَّا أكثر أهل المدينة مُزدرعًا كنَّا نكري الأرض بالناحية منها تُسَمَّى لسيِّد الأرض فإمَّا يُصاب ذلك وتَسلم الأرض، وإمَّا تُصاب الأرض ويسلم ذلك، فنُهينا