فأجاب رحمه الله تعالى: ما قاله السائل صحيح، فإن التاريخ في الحقيقة يزوّر ويشوّه حسب ما تكون الدولة، فهو خاضع مع الأسف للدولة بحيث توجهه حيث ما تريد، وخاضع كذلك لبعض الأفكار التي تجترئ على الكذب وتستسيغه في جانب ما تدعو إليه وتهدف إليه، ولذلك نرى في كثير من كتب التاريخ أشياء مشوهة إن كان صدقًا، وكثيرًا وكثيرًا مزورة مكذوبة، لاسيما فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم مما هم فيه معذورون؛ لأنهم مجتهدون، ومن أصاب منهم له أجران، ومن أخطأ فله أجر، وخطؤه مغفور. فيجب على المرء أن يحذر من مثل هذه الكتب المزورة أو المشوهة بزيادة أو نقص، لاسيما إذا كان يشعر بأن هذا الكتاب مثلًا يسيء إلى الصحابة رضي الله عنهم في تشويه حياتهم ومجتمعاتهم؛ لأن القدح في الصحابة رضي الله عنهم ليس قدحًا في الصحابة أنفسهم فقط، بل هو قدح فيهم وقدح في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدح في الشريعة، وقدح في الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا صار القدح في الصحابة رضي الله عنهم كان ذلك قدحًا في الشريعة؛ لأنهم هم وسيلة النقل، هم الذين نقلوها إلينا، فإذا كانوا محل قدح وعيب فكيف نثق بالشريعة التي بين أيدينا وهي جاءت عن طريقهم؟ وإذا كان قدحًا في الصحابة صار قدحًا في النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أصحابه وأحبابه وناصروه على أعدائه، والقدح في الصاحب قدح في المصحوب، وإذا كان القدح في الصحابة صار قدحًا في الله عز وجل، فكيف يقال: إن الله تعالى اختار لنبيه -وهو أفضل خلقه- مثل هؤلاء الأصحاب الذين هم محل القدح والسب والعيب؟ إذًا فالقدح في الصحابة قدح في الله وفي رسوله وفي شريعته، والأمر أمر عظيم، وكتب التاريخ قد يكون بعضها متناولًا لهذا الأمر مما يكون دالًا على القدح في الصحابة إما تصريحًا وإما تلميحًا،فليحذر المؤمن من مثل هذه التواريخ التي تضله.والله المستعان.