فأجاب رحمه الله تعالى: نقول: نعم الكفار كذلك مكتوب عملهم في الأزل، ويكتب كذلك عمل الإنسان عند تكوينه في بطن أمه، كما دل على ذلك الحديث الصحيح لابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد) .فأعمال الكفار مكتوبة عند الله عز وجل, والشقي شقي عند الله عز وجل في الأزل، والسعيد سعيد عند الله في الأزل. ولكن يقول قائل- كما أورد هذا السائل-: كيف يعذبون وقد كتب الله عليهم ذلك في الأزل؟ فنقول: إنهم يعذبون لأنهم قد قامت عليهم الحجة، وبين لهم الطريق: فأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبين الهدى من الضلال، ورغبوا في سلوك طريق الهدى، وحذروا من سلوك طريق الضلال، ولهم عقول ولهم إرادات ولهم اختيارات. ولهذا نجد هؤلاء الكفار وغيرهم أيضًا يسعون إلى مصالح الدنيا بإرادة واختيار، ولا تجد أحدًا منهم يسعى إلى شيء يضره في دنياه ويقول: إن هذا مكتوب عليّ، أبدًا، كل يسعى إلى ما فيه المنفعة، فكان عليهم أن يسعوا أيضًا لما فيه منفعتهم في أمور دينهم، كما يسعون لما فيه المنفعة في أمور دنياهم، ولا فرق بينهما، بل إن بيان الخير والشر في أمور الدين في الكتب المنزلة على الرسل عليهم الصلاة والسلام أكثر وأعظم من بيان الأمور الضارة في أمور الدنيا، فكان عليهم أن يسلكوا الطرق التي فيها نجاتهم والتي فيها سعادتهم، دون أن يسلكوا الطرق التي فيها هلاكهم وشقاؤهم. نقول: إن هذا الكافر حين أقدم على الكفر لا يشعر أن أحدًاَ أكرهه، وإنه فعل ذلك بإرادته واختياره، فهل كان حين إقدامه على هذا الكفر هل كان عالمًا بما كتب الله له؟ والجواب: لا, لأنا نحن لا نعلم بأن الشيء قد كتب إلا بعد أن يقع، أما قبل أن يقع فإننا لا نعلم ماذا كتب؛ لأنه من علم الغيب. فنقول لهذا الكافر: لماذا لم تقدر أن الله سبحانه وتعالى كتب لك السعادة وتؤمن؟ فأنت الآن قبل أن تقع في الكفر أمامك شيئان: هداية وضلال، فلماذا لا تسلك طريق الهداية مقدرًا أن الله تعالى كتبه لك؟ لماذا تسلك طريق الضلال ثم بعد أن تسلكه تحتج بأن الله تعالى كتبه؟ نقول لك: قبل أن تدخل في هذا الطريق هل عندك علم أنه مكتوب عليك؟ سيقول: لا، ولا يمكن أن يقول: نعم، فإذا قال: لا، قلنا: إذًا لماذا لم تسلك طريق الهداية وتقدر أن الله تعالى كتب لك ذلك؟ ولهذا يقول الله عز وجل: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) ، ويقول عز وجل: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) . ولما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بأنه (ما من أحدٍ إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار. قالوا: يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . ثم قرأ قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) . هذا جوابنا على هذا السؤال الذي أورده هذا السائل، وما أكثر من يحتج به من أهل الضلال، وهو عجب منهم؛ لأنهم لا يحتجون بمثل هذه الحجة على مسائل الدنيا أبدًا، بل تجدهم يسوقون في مسائل الدنيا ما هو أنفع لهم، ولا يمكن لأحد أن يقال له: هذا الطريق الذي أمامك طريق وعر صعب فيه لصوص وفيه سباع، وهذا الطريق الثاني طريق سهل آمن لا يمكن لأحد أن يسلك الطريق الأول ويدع الطريق الثاني، مع أن هذا نظير الطريقين: طريق النار وطريق الجنة، فالرسول بين طريق الجنة وقال: هو هذا، وبين طريق النار وقال: هو هذا، وحذر من الثاني ورغب في الأول، ومع ذلك فإن هؤلاء العصاة يحتجون بقضاء الله وقدره- وهم لا يعلمونه- على معاصيهم.