يقول هل تجوز الصلاة على يسار الإمام من غير عذرٍ إلا أنه يفعل ذلك خشية فوات الركعة فيركع على يسار الإمام لأنه أقرب مكانٍ له عند دخوله من باب المسجد والبعض يصلى خلف الصف منفردًا بحجة إدراك الركعة أيضًا فهل هذه الصلاة صحيحة فقد قرأت حديثًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم (لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف) أو ما معناه فما مدى صحة هذا الحديث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: سؤال هذا الرجل تضمن مسألتين
المسألة الأولى الصلاة عن يسار الإمام والصلاة عن يسار الإمام خلاف المشروع فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قام يصلى من الليل جاءه ابن عباس رضي الله عنهما فوقف عن يساره فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسه من ورائه فجعله عن يمينه فهذا الرجل الذي صلى عن يسار الإمام نقول له إن فعلك هذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختلف أهل العلم هل وقوفه هذا محرم فتكون صلاته باطلة أو هو خلاف الأولى فتكون صلاته صحيحة لكنه ترك الأولى وعلى كل حال فالأحوط للمرء أن لا يصلى عن يسار الإمام وأن يكون عن يمينه كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام بابن عباسٍ رضي الله عنهما.
المسألة الثانية فإنها الصلاة خلف الصف منفردًا فالصلاة خلف الصف منفردًا لا تجوز على القول الراجح وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد وإن كانت عنه روايةٌ أخرى أنها تصح وهو مذهب الأئمة الثلاثة مالك وأبي حنيفة والشافعي ولكن الراجح أنها لا تصح خلف الصف منفردًا إلا إذا تعذر الوقوف في الصف بحيث يكون الصف تامًا فإنه يصلى الإنسان خلف الصف منفردًا تبعًا للإمام لأنه معذور ولا واجب مع العجز كما قاله أهل العلم رحمهم الله وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام جعل المرأة تقف خلف الصف منفردةً عن الرجال للعذر الشرعي وهو عدم إمكان وقوفها مع الرجال فإن العذر الحسي أيضًا يكون مسقطًا لوجوب المصافّة وذلك لأننا في هذه الحال إذا لم يجد الرجل إلا موقفًا خلف الصف منفردًا فهو إما أن يصلى منفردًا خلف الصف مع الإمام أو يصلى منفردًا وحده عن الجماعة أو يجذب واحدًا من الصف ليكون معه أو يتقدم ويصلى إلى جانب الإمام هذه الأحوال الأربع التي يمكن أن تكون بالنسبة لهذا الرجل الذي لم يجد موقفًا في الصف فنقول له أما التقدم إلى الإمام حتى يكون إلى جانبه فإن فيه محذورين:
أحدهما الوقوف مع الإمام في صلاة الجماعة وهذا خلاف السنة لأن الأفضل أن ينفرد الإمام في مكانه ليكون إمامًا متميزًا عن الجماعة منفردًا عنهم في المكان ليعرف أنه إمام وأنه لا ثاني معه ولا يرد علينا في هذا قصة أبي بكرٍ رضي الله عنه حين جاء النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكرٍ يصلى بالناس فكان على يسار أبي بكر وأبو بكرٍ عن يمينه لأن في قصة أبي بكر كان أبو بكرٍ رضي الله عنه هو الإمام أولًا ويتعذر أن يرجع إلى صفٍ وراءه لأنه متصل فوقوف أبي بكرٍ هنا على سبيل الضرورة أقول إنه إذا تقدم إلى الإمام ووقف معه يكون خلاف السنة المطلوبة في حق الإمام وهي الانفراد وحده أمام جماعته.
المحذور الثاني أنه إذا تقدم مع الإمام فإنه سوف يتخلل صفًا أو صفين أو ثلاثة حسب ما يجد أمامه من الصفوف وهناك فوات أمرٍ مطلوب وهو أنه إذا تقدم ثم صلى مع الإمام ثم حضر شخصٌ آخر ولم يجد مكانًا في الصف فمعناه أنه سوف يتقدم أيضًا إلى الإمام فيكون مع الإمام رجلان لكن لو أن هذا لم يتقدم إلى الإمام وبقي خلف الصف ثم جاء الثاني صار صفًا معه هذه واحدة أما جذبه لواحدٍ من الصف الذي أمامه فهذا أيضًا يترتب عليه عدة محاذير:
المحذور الأول فتح فرجةٍ في الصف وهذا من قطع الصف وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام من قطع صفًا قطعه الله.
ثانيًا أن هذه الفرجة التي حدثت في الصف في الغالب أن الناس يتقاربون وحينئذٍ يؤدي إلى حركة جميع الصف كلهم يتحركون ولولا جذب هذا الرجل ما تحرك الصف وبقي الناس على طمأنينتهم.
المحذور الثالث أنه ينقل صاحبه الذي جذبه من المكان الفاضل إلى المكان المفضول وفي هذا نوع جناية عليه.
المحذور الرابع أنه لا بد أن يحدث عنده شيئٌ من التشويش إذا جذب فإن الإنسان لا بد أن يكون عنده فزع أو نحوه مما يوجب عليه تشويش صلاته وربما يمانع وربما يمد يده ويضرب من يحاول أن يجذبه فالمهم كل هذه المحاذير موجودة في جذب الإنسان من الصف حتى يكون مع هذا المنفرد.
الحال الثالثة أن نقول انصرف ولا تصلِّ مع الجماعة لأن الصف تام وحينئذٍ نحرمه من صلاة الجماعة ويكون منفردًا في موقفه وفي صلاته أيضًا.
الحال الرابعة أن نقول له كن خلف الصف منفردًا في المكان موافقًا في الأفعال وهذه الأخيرة هي خير الأقسام بلا شك فإذا كانت هي خير الأقسام فإنها تكون هي المطلوبة ونقول له قف خلف الصف وصلِّ مع الإمام منفردًا لأنك معذور وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف فهذا حمله من يرون أن المصافة ليست بواجبة حملوه على أنه نفيٌ للكمال قالوا إن هذا نفيٌ للكمال وليس نفيًا للصحة لكنها ناقصة لأنهم يقولون نقول لا صلاة أي لا صلاة كاملة لمنفردٍ خلف الصف ووازنوا ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (لاصلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) فإن المراد هنا لا صلاة كاملة ولكن هذا الطريق ليس بصحيح لأن الأصل فيما نفاه الشرع انتفاء الصحة هذا هو الأصل إلا إذا وجد دليلٌ على أن المراد انتفاء الكمال فيحمل على انتفاء الكمال وإلا فالأصل أن النفي نفيٌ للصحة وبهذه المناسبة أود أن أبين أن ما ورد نفيه في النصوص فله ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يكون نفيًا لوجوده وهذا هو الأصل مثل لا خالق إلا الله هذا نفيٌ لوجود خالقٍ للخلق سوى الله عز وجل وهذا هو الذي يجب عليه حمل النفي لأنه الأصل فإن لم يمكن حمل النفي على هذا وكان الشيء موجودًا فإنه يحمل على نفي الصحة شرعًا مثل لا صلاة بغير وضوءٍ فالإنسان قد يصلى غير متوضئ وتوجد الصلاة لكنها شرعًا منفية وهذا نفيٌ للصحة فإن لم يمكن الحمل على نفي الصحة لوجود دليلٍ يمنع ذلك فإنه يحمل على نفي الكمال مثل (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) فإنها هنا محمولةٌ على نفي الكمال على أن بعضًا من أهل العلم يقول إن هذا الحديث محمولٌ أيضًا على نفي الصحة إذا كان بحيث ينشغل انشغالًا كاملا لا يدري ما يقول في صلاته فإنه لا تصح صلاته حينئذٍ وعلى كل حال فهذه المراتب الثلاث ينبغي لطالب العلم أن يلاحظها أن الأصل في النفي نفي الوجود فإن لم يمكن وكان الشيء موجودًا فهو محمولٌ على نفي الصحة فإن لم يمكن وكان قد قام الدليل على الصحة فإنه يكون محمولًا على نفي الكمال وعلى هذا فقوله (لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف) هو من القسم الثاني أي مما نفيت صحته فلا تصح صلاة منفردٍ خلف الصف ولكن هذا يدل على وجوب المصافّة ووجوب المصافّة عند التعذر يسقط بتعذره لأن القاعدة المعروفة عند أهل العلم والتي دل عليها قوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) تدل على أنه لا واجب مع العجز وبهذا تبين أنه إذا تعذر الوقوف في الصف لكماله فإن المأموم أو الداخل يصف وحده ويتابع إمامه وصلاته في هذه الحالة صحيحة.