«فإن قلت» : النهي عن النقصان أمر بالإيفاء «1» فما فائدة قوله (أوفوا) ؟
قلت: نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، لأنّ في التصريح بالقبيح نعياً على المنهي وتعييرًا له، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحًا بلفظه، لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه، وجيء به مقيدًا (بالقسط) أي ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية، من غير زيادة ولا نقصان، أمرًا بما هو الواجب، لأن ما جاوز العدل فضل وأمر مندوب إليه. وفيه توقيف على أنّ الموفى عليه أن ينوي بالوفاء بالقسط، لأنّ الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل، فهذه ثلاث فوائد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: «إن قلت النهي عن النقصان أمر بالإيفاء ... الخ»
قال أحمد: ولمن قال إن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده أن يستدل بهذه الآية، فإن الأمر لو كان عين النهي عن الضد، لكان وروده عقيبه تكرارًا. وفي كلام الزمخشري ما يدل على أنه وهم، فاعتقد أن النهي في الآية قبل الأمر، وذلك سهو وغفلة، وكل مأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم: وأما قوله: إن الإيفاء حسن في العقول، فتفريع على قاعدة التحسين والتقبيح، وقد سبق بطلانها، وبينا أن التحسين والتقبيح موظفان من الشرع، ولا مجال العقل في حكم سمعي.