«فإن قلت» : لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟
قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان قد يكون «1» من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم،
كقوله تعالى: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) . وقوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ) . وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات: «2»
تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بالإثْمدِ ... ونَامَ الخَلِيُّ ولَم تَرْقُدِ
وبَاتَ وباتَتْ لهُ لَيْلةٌ ... كلَيْلةِ ذِى العائرِ الأرْمَدِ
وذلِكَ مِنْ نَبَإ جَاءَني ... وخُبِّرْتُهُ عن أَبى الأَسْوَدِ
وذلك على عادة افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أنّ العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوله «في علم البيان قد يكون» لعله وقد، وعبارة النسفي: وهو قد يكون.
(2) قال محمود رحمه اللَّه: «وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات ... الخ» .
قال أحمد رحمه اللَّه: يعني أنه ابتدأ بالخطاب ثم التفت إلى الغيبة، ثم إلى التكلم وعلى هذا فهما التفاتان لا غير، وإنما أراد الزمخشري واللَّه أعلم أنه أتى بثلاثة أساليب: خطاب لحاضر، وغائب، ولنفسه، فوهم بقوله ثلاث التفاتات، أو تجعل الأخير ملتفتا التفاتين عن الثاني وعن الأول فيكون ثلاثا، والأمر فيه سهل.