فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 1739

«فإن قلت» : لم خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟

قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه.

ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال. أي لا تؤاخذنا بالنسيان أو الخطأ إن فرط منا.

«فإن قلت» : النسيان والخطأ متجاوز عنهما، فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما «1» ؟

قلت: ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال.

ألا ترى إلى قوله: (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ) والشيطان لا يقدر على فعل النسيان، وإنما يوسوس فتكون وسوسته سببًا للتفريط الذي منه النسيان، ولأنهم كانوا متقين اللَّه حق تقاته، فما كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذانًا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به، كأنه قيل: إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به، فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان. ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل اللَّه لاستدامته والاعتداد بالنعمة فيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) . قال محمود: ««فإن قلت» النسيان والخطأ متجاوز عنهما ... الخ»

قال أحمد: ولا ورود لهذا السؤال على قواعد أهل السنة، لأنا نقول: إنما ارتفعت المؤاخذة بهذين بالسمع كقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان» وإذا كان كذلك فلعل رفع المؤاخذة بهما كان إجابة لهذه الدعوة، فقد نقل أن اللَّه تعالى قال عند كل دعوة منها: قد فعلت. وإنما التزم الزمخشري ورود السؤال على قواعد القدرية الذاهبين إلى استحالة المؤاخذة بالخطإ والنسيان عقلا، لأنه من تكليف ما لا يطيق، وهو المستحيل عندهم تفريعا على قاعدة التحسين والتقبيح، وكلها قواعد باطلة ومذاهب ماحلة. فاللَّه تعالى يجعل لنا من إجابة هذه الدعوات أوفر نصيب، ويلهمنا المعتقد الحق والقول المصيب، إنه سميع مجيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت