فهرس الكتاب

الصفحة 789 من 1739

«فإن قلت» : لم قيل يَعْلَمُونَ مع ذكر النجوم «1» ويَفْقَهُونَ مع ذكر إنشاء بني آدم؟

قلت كان إنشاء الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرًا، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقًا له.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود: «إن قلت لم قيل مع ذكر النجوم يعلمون ... الخ»

قال أحمد: لا يتحقق هذا التفاوت ولا سبيل إلى الحقيقة، وما هذا الجواب إلا صناعى. والتحقيق أنه لما أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيها على استقلال كل واحدة منهما بالمقصود من الحجة، كره فصلهما بفاصلتين متساويتين في اللفظ، لما في ذلك من التكرار، فعدل إلى فاصلة مخالقة تحسينا للنظم واتساقا في البلاغة. ويحتمل وجها آخر في تخصيص الأولى بالعلم والثانية بالفقه، وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ولا يعتبر بمخلوقاته، وكانت الآية المذكورة أولا خارجة عن أنفس النظار ومنافية لها، إذ النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة الالهية في تدبيره لها أمر خارج عن نفس الناظر، ولا كذلك النظر في إنشائهم من نفس واحدة وتقلباتهم في أطوار مختلفة وأحوال متغايرة، فإنه نظر لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها، فإذا تمهد ذلك. فجهل الإنسان بنفسه وبأحواله وعدم النظر فيها والتفكر أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه كالنجوم والأفلاك، ومقادير سيرها وتقلبها، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم، إذ هو عبارة عن الفهم نفي من أبشع القبيلين جهلا، وهم الذين لا يتبصرون في أنفسهم، ونفى الأدنى أبشع من نفي الأعلى درجة فخص به أسوأ الفريقين حالا، ويفقهون هاهنا مضارع فقه الشيء بكسر القاف إذا فهمه ولو أدنى فهم، وليس من فقه بضم القاف، لأن تلك درجة عالية. ومعناه: صار فقيها. قاله الهروي في معرض الاستدلال على أن فقه أنزل من علم. وفي حديث سلمان أنه قال- وقد سألته امرأة جاءته-: فقهت، أي فهمت، كالمتعجب من فهم المرأة عنه.

وإذا قيل فلان لا يفقه شيئا، كان أذم في العرف من قولك: فلان لا يعلم شيئا، وكان معنى قولك: لا يفقه شيئا ليست له أهلية الفهم وإن فهم. وأما قولك: لا يعلم، فغايته نفي حصول العلم له. وقد يكون له أهلية الفهم والعلم لو يعلم. والذي يدل على أن التارك للفكرة في نفسه أجهل وأسوأ حالا من التارك للفكرة في غيره قوله تعالى وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ فخص التبصر في النفس بعد اندراجها فيما في الأرض من الآيات، وأنكر على من لا يتبصر في نفسه إنكارًا مستأنفا. وقولنا في أدراج الكلام أنه نفي العلم عن أحد الفريقين ونفى الفقه عن الآخر، يعني بطريق التعريض، حيث خص العلم بالآيات المفصلة والتفقه فيها بقوم، فأشعر أن قوما غيرهم لا علم عندهم ولا فقه، والله الموفق. فتأمل هذا الفصل وإن طال بعض الطول، فالنظر في الحسن غير مملول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت