فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 1739

قوله (مِنَ الْفَجْرِ) بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود. لأنّ بيان أحدهما بيان للثاني. ويجوز أن تكون «من» للتبعيض: لأنه بعض الفجر وأوّله.

«فإن قلت» : أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟

قلت: قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك: رأيت أسدًا مجاز. فإذا زدت «من فلان» رجع تشبيها.

«فإن قلت» : فلم زيد (مِنَ الْفَجْرِ) حتى كان تشبيها؟ وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة؟

قلت: لأن من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام، ولو لم يذكر (مِنَ الْفَجْرِ) لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد (مِنَ الْفَجْرِ) فكان تشبيها بليغا وخرج من أن يكون استعارة.

«فإن قلت» : فكيف التبس على عديّ بن حاتم مع هذا البيان حتى قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود «3» فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأخبرته، فضحك وقال:

«إن كان وسادك لعريضا» ، وروي: «إنك لعريض القفا» إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل»؟

قلت: غفل عن البيان، ولذلك عرّض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قفاه، لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته.

وأنشدتنى بعض البدويات لبدوى:

عَرِيضُ القَفَا مِيزَانُهُ فِى شِمَالِهِ ... قَدِ انْحَصَّ مِنْ حَسْبِ القَرَارِيِط شَارِبُهْ

«فإن قلت» : فما تقول فيما روى عن سهل بن سعد الساعدي: أنها نزلت ولم ينزل (مِنَ الْفَجْرِ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فنزل بعد ذلك (مِنَ الْفَجْرِ) فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار؟ وكيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد، إذ ليس باستعارة لفقد الدلالة، ولا بتشبيه قبل ذكر الفجر، فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة وهي غير مرادة؟

قلت: أما من لم يجوّز تأخير البيان- وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو مذهب أبي عليّ وأبى هاشم- فلم يصح عندهم هذا الحديث.

وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث. لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت