فهرس الكتاب

الصفحة 982 من 1739

«فإن قلت» : هلا قيل ليلا أو نهارًا؟

قلت: لأنه أريد: إن أتاكم عذابه وقت بيات فبيتكم وأنتم ساهون نائمون لا تشعرون، كما يبيت العدو المباغت. والبيات بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم، وكذلك قوله نَهارًا معناه في وقت أنتم فيه مشتغلون بطلب المعاش والكسب. ونحوه بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ، ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ الضمير في مِنْهُ للعذاب.

والمعنى: أن العذاب كله مكروه مرّ المذاق موجب للنفار، فأي شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال.

ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قيل:

أى شيء هول شديد «1» يستعجلون منه، ويجب أن تكون «من» للبيان في هذا الوجه. وقيل:

الضمير في مِنْهُ لله تعالى.

«فإن قلت» : بم تعلق الاستفهام؟ وأين جواب الشرط؟

قلت: تعلق ب أرأيتم، لأنّ المعنى: أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون، وجواب الشرط محذوف وهو: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ فيه.

«فإن قلت» : فهلا قيل: ماذا تستعجلون منه «2» .

قلت: أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأنّ من حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعا من مجيئه وإن أبطأ، فضلا أن يستعجله.

ويجوز أن يكون (ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) جوابا للشرط، كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني؟ ثم تتعلق الجملة ب أرأيتم، وأن يكون (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) جواب الشرط، و (ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) اعتراضًا.

والمعنى: إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على (ثم) كدخوله على الواو والفاء في قوله (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) ، (أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قوله «أى شيء هول شديد» لعله أي شيء أتى هو لا شديدا.

(2) قال محمود: «إن قلت هلا قيل ماذا تستعجلون منه ... الخ» ؟

قال أحمد: وفي هذا النوع البليغ نكتتان، إحداهما: وضع الظاهر مكان المضمر. والأخرى: ذكر الظاهر بصيغة زائدة مناسبة للمصدر، وكلاهما مستقل بوجه من البلاغة والمبالغة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت