«فإن قلت» : كيف صح بيان الجماعة بالواحد «1» ؟
قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة اللَّه ونبوة إبراهيم من تأثير قدمه في حجر صلد، كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) والثاني: اشتماله على آيات «2» لأنّ أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنة آية.
ويجوز أن يراد: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، لأنّ الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعاء.
ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما. دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، وكثير سواهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: «إن قلت: كيف صح بيان الجماعة بالواحد ... الخ» ؟
قال أحمد: ونظير هذا التأويل ما تقدم لي عند قوله تعالى: (وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ)
قال محمود فيما تقدم «والذي صدر منهم أمنية واحدة، فما وجه جمعها» وبينت فيها هذا بعينه، وهو أن الشيء الواحد متى أريد تمكينه وامتيازه عن غيره من صفة جمع، أفاد الجمع فيه ذلك، وقد لاح لي الآن في جمع الأمانى. ثم وجه آخر، وذلك أن كل واحد منهم صدرت منه هذه الأمنية، فجمعها بهذا الاعتبار تنبيها على تعددها بتعددهم، والعجب أن الجمع في مثل هذا هو الأصل، وأن الإفراد إنما يقع فيه على نوع ما من الاختصار. ومنه: كلوا في بعض بطنكم تصحوا.
(2) عاد كلامه. قال: الوجه الثاني اشتماله على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء آية، وحفظه مع كثرة عدوه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنة آية، ويجوز أن يريد مقام إبراهيم وأمن من دخله، وكثيرًا سواهما واللَّه أعلم.