«فإن قلت» : ما معنى (أو) ؟
قلت: معناها الإباحة: وأنه إن كان أحدهما أو كلاهما، قدم على قسمة الميراث، كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين.
«فإن قلت» : لم قدّمت الوصية على الدين «1» والدين مقدم عليها في الشريعة؟
قلت: لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدَّين فإنّ نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة «أو» للتسوية بينهما في الوجوب، ثم أكد ذلك ورغب فيه بقوله (آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ) أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، أمّن أوصى منهم أمّن لم يوص؟ يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعا وأحضر جدوى ممن ترك الوصية، فوفر عليكم عرض الدنيا وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا، ذهابا إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلا قريبًا في الصورة، إلا أنه فانٍ، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى. وثواب الآخرة وإن كان آجلا إلا أنه باق فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: «إن قلت: لم قدمت الوصية على الدين ... الخ» ؟
قال أحمد: الوصية على ضربين: لغير معين، فلا يطالب بها إلا الإمام إن عثر عليها. ولمعين، فله المطالبة. ولكن يتباينان في القوة بين مطالبة رب الدين بدينه والموصى له بوصيته، لأن رب الدين يطالب بحق مستقر في الذمة سبق له به الفضل على مديانه، والموصى له إنما يطلب صدقة تفضل بها عليه الميت، لا عن استحقاق سابق، فاكتفى بما لرب الدين من القوة عن تقديمه في الذكر، وعضد ضعف الموصى له بتقديمه في الذكر عونا له على حصول رفق الوصية، ويمكن في دفعه طريق آخر فأقول: لم يخالف ترتيب الآية الواقع شرعا فلا يرد السؤال، وذلك أن أول ما يبدأ به إخراج الدين، ثم الوصية، ثم اقتسام ذوى الميراث. فانظر كيف جاء إخراج الميراث آخرًا، تلو إخراج الوصية، تلو الدين، فوافق فولنا:
قسمة المواريث بعد الوصية والدين، صورة الواقع شرعا. ولو سقط ذكر بعد وكان الكلام: أخرجوا الميراث والوصية والدين، لما أمكن ورود السؤال المذكور، واللَّه أعلم.