فهرس الكتاب

الصفحة 1449 من 1739

«فإن قلت» (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) كيف يتصل بما قبله؟

قلت: يحتمل أن يكون من جملة صلة الموصول، ويحتمل أن تتم الصلة عنده ويكون جملة اعتراضية، كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: هم الموقنون بالآخرة، وهو الوجه.

ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرّر فيها المبتدأ الذي هو (هُمْ) حتى صار معناها:

وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأنّ خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق «1» .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود: «كرر الضمير حتى صار معنى الكلام: ولا يوقن بالاخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف الآخرة يحملهم على تحمل المشاق»

قال أحمد: قد تقدم في غير موضع اعتقاد أن إيقاع الضمير مبتدأ يفيد الحصر، كما مر له في قوله تعالى (هُمْ يُنْشِرُونَ) أن معناه: لا ينشر إلا هم، وعد الضمير من آلات الحصر كما مر ليس ببين، وقد بينا لمجيء الضمير في سورة اقترب وجها سوى الحصر.

وأما وجه تكراره هاهنا- والله أعلم- فهو أنه لما كان أصل الكلام: وهم يوقنون بالآخرة، ثم قدم المجرور على عامله عناية به فوقع فاصلا بين المبتدإ والخبر، فأريد أن يلي المبتدأ خبره وقد حال المجرور بينهما، فطري ذكره ليليه الخبر، ولم يفت مقصود العناية بالمجرور. حيث بقي على حاله مقدما، ولا يستنكر أن تعاد الكلمة مفصولة له وحدها بعد ما يوجب التظرية، فأقرب منها أن الشاعر قال:

سل ذو عجل ذا وألحقنا بذا ال ... الشحم إنا قد مللناه بخل

والأصل: وألحقنا بذا الشحم، فوقع منتصف الرجز أو منتهاه، على القول بأن مشطور الرجز بيت كامل عند اللام وبني الشاعر على أنه لا بد عند المنتصف أو المنتهى من وقيفة ما، فقدر بتلك الوقفة بعد أن بين المعرف وآلة التعريف فطراها ثانية، فهذه النظرية لم تتوقف على أن يحول بين الأول وبين المكرر ولا كلمة واحدة، سوى تقديره وقفة لطيفة لا غير، فتأمل هذا الفصل فإنه جدير بالتأمل، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت