فهرس الكتاب

الصفحة 786 من 1739

«فإن قلت» : كيف قال (مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) بلفظ اسم الفاعل، بعد قوله (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) ؟

قلت: عطفه على فالق الحب والنوى، لا على الفعل، ويخرج الحيَّ من الميت: موقعه موقع الجملة المبينة لقوله (فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى) لأنّ فلق الحب والنوى بالنبات والشجر النامين «1» من جنس إخراج الحيّ من الميت، لأنّ النامي في حكم الحيوان.

ألا ترى إلى قوله (يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ذلِكُمُ اللَّهُ) أي ذلكم المحيي والمميت هو الله الذي تحق له الربوبية.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود: «معناه فالق الحب والنوى بالنبات والشجر ... الخ»

قال أحمد رحمه الله: وقد ورد جميعًا بصيغة الفعل كثيرًا في قوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) وقوله (أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) عطف أحد القسمين على الآخر كثيرًا دليل على أنهما توأمان مقرونان، وذلك يبعد قطعه عنه في آية الأنعام هذه ورده إلى فالق الحب والنوى، فالوجه- والله أعلم- أن يقال: كان الأصل وروده بصيغة اسم الفاعل أسوة أمثاله من الصفات المذكورة في هذه الآية من قوله فالِقُ الْحَبِّ وفالِقُ الْإِصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ ومُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ إلا أنه عدل عن اسم الفاعل إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده، وهو قوله (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) إرادة لتصوير إخراج الحي من الميت واستحضاره في ذهن السامع، وهذا التصوير والاستحضار إنما يتمكن في أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل والماضي. وقد مضى تمثيل ذلك بقوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً فعدل عن الماضي المطابق لقوله أَنْزَلَ لهذا المعنى. ومنه ما في قوله:

إني قد لقيت الغول تسعى ... بسيب كالصحيفة صحصحان

فآخذه فأضربه فخرت ... صريعا اليدين وللجران

فعدل إلى المضارع إرادة لتصوير شجاعته واستحضارها لذعن السامع. ومنه إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً فعدل عن مسبحات وإن كان مطابقا لمحشورة بهذا السبب والله أعلم، ثم هذا المقصد إنما يجيء فيما تكون العناية به أقوى، ولا شك أن إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة من عكسه، وهو أيضا أول الحالين والنظر أول ما يبدأ فيه، ثم القسم الآخر وهو إخراج الميت من الحي ناشئ عنه، فكان الأول جديرًا بالتصدير والتأكيد في النفس، ولذلك هو مقدم أبدا على القسم الآخر في الذكر على حسب ترتيبهما في الواقع، وسهل عطف الاسم على الفعل، وحسنه أن اسم الفاعل في معنى الفعل المضارع «فكل واحد منهما يقدر بالآخر، فلا جناح في عطفه عليه. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت