والمعنى: نعيد أوّل الخلق كما بدأناه، تشبيها للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء،
«فإن قلت» : وما أوّل الخلق حتى يعيده كما بدأه؟
قلت: أوّله إيجاده عن العدم، فكما أوجده أولا عن عدم، يعيده ثانيا عن عدم «1» .
«فإن قلت» : ما بال خَلْقٍ منكرا؟
قلت: هو كقولك: هو أوّل رجل جاءني، تريد أوّل الرجال، ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلا رجلا، فكذلك معنى (أَوَّلَ خَلْقٍ) أوّل الخلق، بمعنى: أوّل الخلائق، لأن الخلق مصدر لا يجمع.
ووجه آخر، وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره (نُعِيدُهُ) و (ما) موصولة، أي: نعيد مثل الذي بدأناه نعيده. وأول خلق: ظرف لـ بدأنا، أي: أوّل ما خلق، أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ، الثابت في المعنى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: «إن قلت ما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟
قلت: أول الخلق إيجاده عن العدم، فكما أوجده أولا عن عدم يعيده ثانيا عن عدم»؟
قلت: هذا الذي ذكره هاهنا في المعاد قد عاد به إلى الحق ورجع عما قاله في سورة مريم، حيث فسر الإعادة بجمع المتفرق خاصة، إلا أنه كدر صفو اعترافه بالحق بتفسيره قوله إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ بالقدرة على الفعل، ولا يلزم على هذا من القدرة على الفعل حصوله، تحويما على أن الموعود به ليس إعادة الأجسام عن عدم وإن كانت القدرة صالحة لذلك، ولكن إعادة الأجزاء على صورها مجتمعة مؤتلفة على ما تقدم له في سورة مريم، إلا أن يكون الباعث له على تفسير الفعل بالقدرة: أن الله ذكر ماضيا والإعادة وقوعها مستقبل، فتعين عنده من ثم حمل الفعل على القدرة فقد قارب، ومع ذلك فالحق بقاء الفعل على ظاهره لأن الأفعال المستقبلة التي علم الله وقوعها، كالماضية في التحقيق، فمن ثم عبر عن المستقبل بالماضي في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز.
والغرض الإيذان بتحقيق وقوعه، والله أعلم.