«فإن قلت» : كيف قالوا (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) بعد إيمانهم وإخلاصهم «1» ؟
قلت: ما وصفهم اللَّه بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: (إِذْ قالَ) فإذن إنّ دعواهم كانت باطلة، وإنهم كانوا شاكين، وقوله: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم معناه: (اتقوا اللَّه) ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: «فإن قلت» كيف قالوا (هل يستطيع ربك) بعد إيمانهم وإخلاصهم- في قوله: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ) - قال: قلت ما وصفهم بالإيمان والإخلاص وإنما حكى ادعاءهم لهما ... الخ»
قال أحمد: وقيل إن معنى (هَلْ يَسْتَطِيعُ) هل يفعل، كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم: مبالغة في التقاضي. ونقل هذا القول عن الحسن، فعلى هذا يكون إيمانهم سالما عن قدح الشك في القدرة، فإن استقام التعبير عن الفعل بالاستطاعة فذاك- واللَّه أعلم- من باب التعبير عن المسبب بالسبب، إذ الاستطاعة من جملة أسباب الإيجاد وعلى عكسه التعبير عن إرادة الفعل بالفعل، تسمية بالسبب الذي هو الارادة، باسم المسبب الذي هو الفعل، في مثل قوله: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) وقد مضى أول السورة. وفي هذا التأويل الحسن تعضيد لتأويل أبي حنيفة، حيث جعل الطول المانع من نكاح الأمة وجود الحرة في العصمة. وعدمه أن لا يملكك عصمة الحرة وإن كان قادرًا على ذلك، فتباح له حينئذ الأمة. وحمل قوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ) على معنى: ومن لم يملك منكم، وحمل النكاح على الوطء، فجعل استطاعة الملك المنفية هي الملك كما ترى، حتى أن القادر غير المالك عادم الطول عنده فينكح الأمة. وقد مضى ذكر مذهبه، وكنت أستبعد إنهاضه لأن يكون تأويلا يحتمله اللفظ ويساعده الاستعمال، حتى وقفت على تفسير الحسن هذا واللَّه أعلم.