فهرس الكتاب

الصفحة 1468 من 1739

«فإن قلت» : كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا، فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه «1» ؟

قلت كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين ثم قالوا ما شهدنا مهلك أهله، فذكروا أحدهما: كانوا صادقين، لأنهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما، وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم.

ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم بأن يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق في خبرهم حيلة يتفصون بها عن الكذب «2» .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود: «إن قلت: كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا، فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه؟

قلت: كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا وبيتوا أهله وجمعوا بين البياتين جميعا لا أحدهما كانوا صادقين، وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم، ألا تراهم قصدوا قتل نبى الله ولم يرضوا لأنفسهم بأن يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق حيلة يتفصون بها عن الكذب»

قال أحمد: وحيلة الزمخشري لتصحيح قاعدة التحسين والتقبيح بالعقل أقرب من حيلتهم التي سماها الله تعالى مكرا، لأن غرضه من تمهيد حيلتهم أن يستشهد على صحة القاعدة المذكورة في موافقة قوم لوط عليها، إذ استقبحوا الكذب بعقولهم لا بالشرع. وأنى يتم له ذلك أو لهم، وهم كاذبون صريح الكذب في قولهم ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وذلك أنهم فعلوا الأمرين، ومن فعل الأمرين فجحد فعل أحدهما لم يكن في فريته مرية، وإنما كانت الحيلة تتم لو فعلوا أمرا فادعي عليهم فعل أمرين، فجحدوا المجموع. ومن ثم لم تختلف العلماء في أن من حلف لا أضرب زيدا، فضرب زيدا وعمرا: كان حانثا، بخلاف الحالف لا أضرب زيدا وعمرا فضرب عمرا، ولا آكل رغيفين فأكل أحدهما، فإن مثل هذا محل خلاف العلماء في الحنث وعدمه، فإذا تمهد أن هؤلاء كاذبون صراحا في قولهم ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وأنه لا حيلة لهم في الخلاص من الكذب، فلا يخلو أمرهم أن يكونوا عقلاء فهم لا يتواطئون على اعتقاد الصدق بهذه الحيلة، مع القطع بأنها ليست حيلة، ولا شبهة لقرب جحدهم من الصدق، فيبطل ما قال الزمخشري لاثبات قاعدة دينه على زعمه، إذ قاعدة التحسين والتقبيح بالعقل من قواعد عقائد القدرية، بموافقة قوم غير عقلاء على صحتها، فحسبه ما رضى به لدينه، والسلام.

(2) قوله «حيلة يتفصون بها عن الكذب» في الصحاح «فصا الإنسان» : إذا تخلص من البلية والضيق، وتفصيت من الديون: إذا خرجت منها وتخلصت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت