فهرس الكتاب

الصفحة 1340 من 1739

«فإن قلت» : قوله (وَأَكْثَرُهُمْ) فيه أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق؟

قلت: كان فيهم من يترك الإيمان به أنفة واستنكافا من توبيخ قومه وأن يقولوا صبأ وترك دين آبائه، لا كراهة للحق، كما يحكى عن أبي طالب «1» .

«فإن قلت» : يزعم بعض الناس أنّ أبا طالب صحّ إسلامه؟

قلت: يا سبحان الله، كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس رضي الله عنهما، ويخفى إسلام أبي طالب.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود: ««فإن قلت» أكثرهم يعطي أن أقلهم لا يكره الحق، وكيف ذلك والكل كفرة؟

قلت: فيهم من أبى الإسلام حذرا من مخالفة آبائه ومن أن يقال صبأ كأبى طالب، لا كراهة للحق»

قال أحمد: وأحسن من هذا أن يكون الضمير في قوله: وَأَكْثَرُهُمْ على الجنس للناس كافة، ولما ذكر هذه الطائفة من الجنس بقي الكلام في قوله وَأَكْثَرُهُمْ على الجنس بجملته، كقوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وكقوله وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ويدل على ذلك قوله تعالى بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ والنبي صلى الله عليه وسلم جاء الناس كلهم وبعث إلى الكافة. ويحتمل أن يحمل الأكثر على الكل كما حمل القليل على النفي والله أعلم. وأما قول الزمخشري-: إن من تمادى على الكفر وآثر البقاء عليه تقليدا لآبائه «ليس كارها للحق- فمردود، فإن من أحب شيئا كره ضده، فإذا أحبوا البقاء على الكفر فقد كرهوا الانتقال عنه إلى الإيمان ضرورة، والله أعلم، ثم انجر الكلام إلى استبعاد إيمان أبي طالب. وتحقيق القول فيه أنه مات على الكفر، ووجه ذلك بأنه أشهر عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان قد أسلم لاشتهر إسلامه، كما اشتهر إسلام العباس وحمزة وأجدر لأنه أشهر، وللقائل بإسلامه أن يعتذر عن عدم شهرته بأنه إنما أسلم قبيل الاحتضار، فلم يظهر له مواقف في الإسلام يشتهر بها كما ظهر لغيره من عمومته عليه الصلاة والسلام. هذا والظاهر أنه لم يسلم. وحسبك دليلا على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: سألت الله تعالى فيه، وأنه بعد ذلك لفي ضحضاح من نار يغلى رأسه من قدميه. فإن قيل: لا يلزم من ذلك موته على الكفر، لأن كثيرا من عصاة الموحدين يعذب بأكثر من ذلك. قلنا: من أثبت إسلامه ادعى أن ذلك كان قبيل الاحتضار، فالإسلام جب ما قبله، وتلك الدقيقة التي صار فيها من المسلمين لا تحتمل من المعاصي ما يوجب ذلك، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت