(اثْنَتَيْنِ)
إماتتين وإحياءتين. أو موتتين وحياتين.
وأراد بالإماتتين: خلقهم أمواتا أوّلا، وإماتتهم عند انقضاء آجالهم، وبالإحياءة الإحياءة الأولى وإحياءة البعث. وناهيك تفسيرا لذلك قوله تعالى (وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)
وكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما.
«فإن قلت» : كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتا: إماتة؟
قلت: كما صح أن تقول: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل! وقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ضيق. وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات، والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان معا على المصنوع الواحد، من غير ترجح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة. فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما «1» على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه، ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه إثبات ثلاث إحياآت، وهو خلاف ما في القرآن، إلا أن يتمحل فيجعل إحداها غير معتدّ بها. أو يزعم أن الله تعالى يحييهم في القبور، وتستمرّ بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها، ويعدّهم في المستثنين من الصعقة في قوله تعالى (إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: «إحدى الإماتتين خلقهم أمواتا أولا، والأخرى إماتتهم عند انقضاء آجالهم، ثم قال:
«فإن قلت» كيف سمى خلقه لهم أمواتا إماته، وأجاب بأنه كما يقال: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل، وكما يقال للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها، وليس ثم نقل من صغر إلى كبر ولا عكسه، ولا من ضيق إلى سعة ولا عكسه. وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات. والسبب في صحته أن الكبر والصغر جائزان معا على المصنوع الواحد، وكذلك الضيق والسعة، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن من الآخر، جعل صرفا عن الآخر وهو متمكن منه»
قال أحمد: ما أسد كلامه هاهنا حيث صادق التمسك بأذيال نظر مالك رحمه الله في مسألة ما إذا باعه إحدى وزنتين معينتين على اللزوم لإحداهما والخيرة في عينها، فإنه منع من ذلك، لأن المشترى لما كان متمكنا من تعيين كل واحدة منهما على سواء، فإذا عين واحدة منهما بالاختيار نزل عدوله عن الأخرى، وقد كان متمكنا منها منزلة اختيارها أولا، ثم الانتقال عنها إلى هذه، فإذا آل إلى بيع إحداهما بالأخرى غير معلومتى التماثل، وهو الذي لخصه أصحابنا في قولهم: إن من خير بين شيئين فاختار أحدهما: عد متنقلا، وقد سبقت هذه القاعدة لغير هذا الغرض فيما تقدم.