«فإن قلت» : الأمة الذين قالوا (لِمَ تَعِظُونَ) من أي الفريقين هم؟ أمن فريق الناجين أم المعذبين؟
قلت: من فريق الناجين، لأنهم من فريق الناهين. وما قالوا ما قالوا إلا سائلين عن علة الوعظ والغرض فيه، حيث لم يروا فيه غرضا صحيحًا لعلمهم بحال القوم. وإذا علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه، سقط عنه النهي. وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث.
ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر «1» والجلادين المرتبين للتعذيب لتعظهم وتكفهم عما هم فيه، كان ذلك عبثا منك، ولم يكن إلا سببا للتلهي بك. وأما الآخرون فإنما لم يعرضوا عنهم إمّا لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين، ولم يخبروهم كما خبروهم، أو لفرط حرصهم وجدّهم في أمرهم كما وصف الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام في قوله (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ)
وقيل: الأمة هم الموعوظون، لما وعظوا قالوا للواعظين: لم تعظون منا قوما تزعمون أنّ الله مهلكهم أو معذبهم؟
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: يا ليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا: لم تعظون قوما؟ قال عكرمة: فقلت جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا، لم تعظون قوما الله مهلكهم، فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا.
وعن الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوله «على المآصر» المآصر هي المحابس، من أصره الله حبسه. كذا في الصحاح.