«فإن قلت» : كيف جاز إبداله منه وهو جمع وذاك موحد؟
قلت: لأنه لا يريد مسرفا واحدا، فكأنه قال: كل مسرف.
«فإن قلت» : فما فاعل (كَبُرَ) ؟
قلت: ضمير من هو مسرف.
«فإن قلت» : أما قلت هو جمع، ولهذا أبدلت منه الذين يجادلون؟
قلت: بلى هو جمع في المعنى. وأما اللفظ فموحد، فحمل البدل على معناه، والضمير الراجع إليه على لفظه، وليس ببدع «1» أن يحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى، وله نظائر، ويجوز أن يرفع الذين يجادلون على الابتداء، ولا بدّ في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع إليه الضمير في كبر، تقديره: جدال الذين يجادلون كبر مقتا، ويحتمل أن يكون (الَّذِينَ يُجادِلُونَ) مبتدأ، و (بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ) خبرا، وفاعل (كبر) قوله (كَذلِكَ) أي كبر مقتا مثل ذلك الجدال، و (يَطْبَعُ اللَّهُ) كلام مستأنف، ومن قال:
كبر مقتا عند الله جدالهم، فقد حذف الفاعل، والفاعل لا يصح حذفه. وفي (كَبُرَ مَقْتًا) ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم، والشهادة على خروجه من حد إشكاله من الكبائر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: «الذين يجادلون بدل من من هو مسرف، لأن المراد كل مسرف. وجاز إبداله على معنى من، لا على لفظها. قال:
«فإن قلت» ما فاعل كبر؟ وأجاب بأنه ضمير من هو مسرف، فحمل البدل على المعنى، والضمير على اللفظ، وليس ببدع» اهـ كلامه.
قال أحمد: فيما ذكره معاملة لفظ من بعد معاملة معناها، وهذا مما قدمت أن أهل العربية يستغربونه، والأولى أن يجتنب في إعراب القرآن، فإن فيه إبهاما بعد إيضاح، والمعهود في قراءة البلاغة عكسه، والصواب أن يجعل الضمير في قوله كَبُرَ راجعا إلى مصدر الفعل المتقدم، وهو قوله يُجادِلُونَ تقديره: كبر جدالهم مقتا، ويجعل الَّذِينَ مبتدأ، على تأويل حذف المضاف، تقديره: جدال الذين يجادلون في آيات الله، والضمير في قوله كَبُرَ مَقْتًا عائد إلى الجدال المحذوف، والجملة مبتدأ وخبر. ومثله في حذف المصدر المضاف وبناء الكلام عليه: قوله تعالى أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ على أحد تآويله، ومثله كثير. وفيه سوى ذلك من الوجوه السالمة عما ينطرق إلى الوجه المتقدم. فالوجه العدول عنه.