«فإن قلت» : (بُعْدًا) دعاء بالهلاك، فما معنى الدعاء به عليهم بعد هلاكهم؟
قلت: معناه الدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له: ألا ترى إلى قوله:
إخْوَتِى لَا تَبْعَدُوا أبَدًا ... وَبَلَى وَاللَّهِ قَدْ بَعِدُوا «1»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إخوتى لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد يعدوا
ما أمرّ العيش بعدكم ... كل عيش بعدكم نكد
ليت شعري كيف شربكم ... إن شربي بعدكم ثمد
لفاطمة بنت الأحجم الخزاعية. وتقول العرب: بعد بالضم في ضد القرب، وبالكسر في الهلاك، ومضارع الأول مضموم، ومضارع الثاني مفتوح. وما في البيت منه. وما أمر: تعجب، وشبهت العيش وهو الحياة أو ما يعاش به بشيء مر على طريق المكنية، وإثبات المرارة تخييل، أو استعارتها للنقص على طريق التصريحية. والنكد:
العسر الضيق المنغص. والثمد: الماء القليل الذي لا مادة له فينقطع سريعًا. ورجل مثمود، إذا كثر عليه السؤال من العلم أو المال حتى نفد ما عنده.
والمعنى: أن سروري بعدكم منقطع كالماء القليل، وعبرت بذلك لمشاكلة ما قبله.
ويروى لها بعد البيت الأول:
لو تملتهم عشيرتهم ... لاقتناء العز أو ولدوا
هان من بعض الرزية أو ... هان من بعض الذي أجد
كل ما حى وإن أمروا ... وارد والحوض الذي وردوا
ومعنى تملتهم: عاشوا معهم مليا من الزمان، وأقحمت «من» مع إغباء «بعض» عنها، للدلالة على تبغيض البغض.
و «ما» مقحمة، بني كل حى مبالغة في العموم. وأمروا بالكسر: كثروا. والحوض: تمثيل للموت.