«فإن قلت» : كيف اتصل قوله (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) بما قبله؟
قلت: إن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على إنكار البعث، وهو أصل المجادلة ومدارها، فحجوا بخلق السماوات والأرض لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقها وبأنها خلق عظيم لا يقادر قدره، وخلق الناس بالقياس إليه شيء قليل مهين، فمن قدر على خلقها مع عظمها كان على خلق الإنسان مع مهانته أقدر، وهو أبلغ من الاستشهاد بخلق مثله «1» لا يَعْلَمُونَ لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لغلبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: ««فإن قلت» : كيف اتصل قوله (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) بما قبله؟ ... الخ»
قال أحمد: الأولوية في هذا الاستشهاد ثابتة بدرجتين، أحدهما ما ذكره من أن القادر على العظيم هو على الحقير أقدر. الثانية: أن مجادلتهم كانت في البعث وهو الإعادة ولا شك أن الابتداء أعظم وأبهر من الإعادة، فإذا كان ابتداء خلق العظيم يعني السماوات والأرض داخلا تحت القدرة فابتداء خلق الحقير: يعني الناس أدخل تحتها، وإعادته أدخل من ابتدائه، فهو أولى بأن يكون مقدورا عليه مما اعترفوا به من خلق السماوات والأرض بدرجتين، وإلى هذا الترتيب وقعت الإشارة بقوله تعالى في (الم غُلِبَتِ الرُّومُ) :
(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) فقرر أن قيام السماء والأرض هو بأمره، أي: خلقها من آياته، فكيف بما هو أحط من قيامها بدرجتين وهو إعادة البشر أهون عليه من الابتداء ليتحقق الدرجتان المذكورتان، فقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) وإذا تأملت الذي ذكرته منسوبا لما ذكره الزمخشري: علمت أن ما ذكره هو لباب المراد فجدد عهدا به إن لم تعلم ذلك.