«فإن قلت» : أين جواب الشرط «1» فإن قوله: (فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) ناب عن الجواب، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن تقول إن أكرمت أخى أخاك أكرمت؟
قلت: هو محذوف يدل عليه قوله: (فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) كأنه قيل: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه، وقوله: (فَرِيقًا كَذَّبُوا) جواب مستأنف لقائل يقول: كيف فعلوا برسلهم؟
«فإن قلت» : لم جيء بأحد الفعلين ماضيا «2» وبالآخر مضارعا؟
قلت: جيء يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعا للقتل واستحضارًا لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: «إن قلت أين جواب الشرط ... الخ»
قال أحمد: ومما يدل على حذف الجواب أنه جاء ظاهرًا في الآية الأخرى، وهي توأمة هذه قوله تعالى: (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) فأوقع قوله: (اسْتَكْبَرْتُمْ) جوابا، ثم فسر استكبارهم وصنيعهم بالأنبياء بقتل البعض وتكذيب البعض. ولو قدر الزمخشري هاهنا الجواب المحذوف مثل المنطوق به في أخت الآية فقال: وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا، لكان أولى لدلالة مثله عليه.
(2) عاد كلامه. قال: ««فإن قلت» لم جيء بأحد الفعلين ماضيا ... الخ»
قال أحمد: أو يكون حالا على حقيقته لأنهم داروا حول قتل محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد قيل هذا الوجه في أخت هذه الآية في البقرة.
وقد مضى وجه اقتضاء صيغة الفعل المضارع لاستحضاره دون الماضي وتمثيله بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) فعدل عن فأصبحت إلى فتصبح، تصويرًا للحال واستحضارًا لها في ذهن السامع. ومنه:
بأنى قد لقيت الغول يسعى ... بسبب كالصحيفة صحصحان
فآخذه فأضربها فخرت ... صريعًا لليدين وللجران
وأمثاله كثيرة واللَّه أعلم.