فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 1739

«فإن قلت» : بم تعلق قوله: (فِي أَنْفُسِهِمْ) «1» ؟

قلت: بقوله: (بَلِيغاً) أي: قل لهم قولا بليغاً في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارًا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند اللَّه، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين، وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.

أو يتعلق بقوله: (قُلْ لَهُمْ) أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وأنّ اللَّه يعلم ما في قلوبكم لا يخفى عليه فلا يغني عنكم إبطانه. فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق، وإلا أنزل اللَّه بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرًا من ذلك وأغلظ. أو قل لهم في أنفسهم- خاليا بهم، ليس معهم غيرهم، مسارّا لهم بالنصيحة، لأنها في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل- قولا بليغا يبلغ منهم ويؤثر فيهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود «إن قلت: بم تعلق قوله في أنفسهم ... الخ» ؟

قال أحمد: ولكل من هذه التأويلات شاهد على الصحة. أما الأول فلأن حاصله أمره بتهديدهم على وجه مبلغ صميم قلوبهم وسياق التهديد في قوله: (فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ) يشهد له، فإنه أخبر بما سيقع لهم على سبيل التهديد. وأما الثاني فيلائمه من السياق قوله: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ) يعني ما انطوت عليه من الخبث والمكر والحيل. ثم أمره بوعظهم والإعراض عن جرائمهم حتى لا تكون مؤاخذتهم بها مانعة من نصحهم ووعظهم، ثم جاء قوله: (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً) كالشرح للوعظ، ولذكر أهم ما يعظهم فيه، وتلك نفوسهم التي علم اللَّه ما انطوت عليه من المذام، وعلى هذا يكون المراد الوعظ وما يتعلق به. وأما الثالث: فيشهد له سيرته عليه الصلاة والسلام في كتم عناد المنافقين، والتجافي عن إفصاحهم والستر عليهم، حتى عد حذيفة رضى اللَّه عنه صاحب سره عليه الصلاة والسلام، لتخصيصه إياه بالاطلاع على أعيانهم، وتسميتهم له بأسمائهم، وأخباره في هذا المعنى كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت