فهرس الكتاب

الصفحة 715 من 1739

«فإن قلت» : ما معنى التقليل والتصغير «1» في قوله: (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) ؟

قلت: قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، وإنما هو شبيه بما ابتلي به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف شأنهم عند ما هو أشدّ منه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود: «إن قلت ما معنى التقليل والتصغير ... الخ»

قال أحمد: وقد وردت هذه الصيغة بعينها في الفتن العظيمة في قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) فلا خفاء في عظم هذه البلايا والمحن التي يستحق الصابر عليها أن يبشر، لأنه صبر على عظيم. فقول الزمخشري إذاً «إنه قلل وصغر تنبيها على أن هذه الفتنة ليست من الفتن العظام» مدفوع باستعمالها مع الفتن المتفق على عظمها.

والظاهر- واللَّه أعلم- أن المراد بما يشعر به اللفظ من التقليل والتصغير، التنبيه على أن جميع ما يقع الابتلاء به من هذه البلايا بعض من كل بالنسبة إلى مقدور اللَّه تعالى، وأنه تعالى قادر على أن يكون ما يبلوهم به من ذلك أعظم مما يقع وأهول، وأنه مهما اندفع عنهم مما هو أعظم في المقدور، فإنما يدفعه عنهم إلى ما هو أخف وأسهل، لطفا بهم ورحمة: ليكون هذا التنبيه باعثا لهم على الصبر وحاملا على الاحتمال، والذي يرشد إلى أن هذا مراد أن سبق التوعد بذلك لم يكن إلا ليكونوا متوطنين على ذلك عند وقوعه، فيكون أيضا باعثا على تحمله، لأن مفاجاة المكروه بغتة أصعب، والإنذار به قبل وقوعه مما يسهل موقعه، وحاصل ذلك لطف في القضاء، فسبحان اللطيف بعباده. وإذا فكر العاقل فيما يبتلى به من أنواع البلايا، وجد المندفع عنه منها أكثر إلى ما لا يقف عند غاية، فنسأل اللَّه العفو والعافية واللطف في المقدور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت