«فإن قلت» : لم قال: (بعض الَّذِي يَعِدُكُمْ) وهو نبيّ صادق، لا بد لما يعدهم أن يصيبهم
كله لا بعضه؟
قلت: لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى ومناكريه إلى أن يلاوصهم «1» ويداريهم، ويسلك معهم طريق الإنصاف في القول، ويأتيهم من وجهة المناصحة، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم له وقبولهم منه، فقال (وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط فيه، ليسمعوا منه ولا يردّوا عليه، وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد، ولكنه أردفه (يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا، فضلا أن يتعصب له، أو يرمي بالحصا من ورائه، وتقديم الكاذب على الصادق أيضا من هذا القبيل، وكذلك قوله (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) .
«فإن قلت» : فعن أبي عبيدة أنه فسر البعض بالكل، وأنشد بيت لبيد:
ترّاك امكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
قلت: إن صحت الرواية عنه. فقد حق فيه قول المازني في مسألة العلقى: كان أجفى من أن يفقه ما أقول له.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوله «إلى أن يلاوصهم ويداريهم» في الصحاح: فلان يلاوص الشجر، أي: ينظر كيف يأتيها لقلعها.