(ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ) الظانّ هو يوسف إن كان تأويله بطريق الاجتهاد، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي، ويكون الظنّ بمعنى اليقين اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ صفني عند الملك بصفتي، وقص عليه قصتي لعله يرحمني وينتاشني من هذه الورطة (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ) فأنسى الشرابي (ذِكْرَ رَبِّهِ) أن يذكره لربه.
وقيل فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره.
(بِضْعَ سِنِينَ) البضع ما بين الثلاث إلى التسع، وأكثر الأقاويل على أنه لبث فيه سبع سنين.
«فإن قلت» : كيف يقدر الشيطان على الإنسان؟
قلت: يوسوس إلى العبد بما يشغله عن الشيء من أسباب النسيان، حتى يذهب عنه ويزل عن قلبه ذكره. وأما الإنساء ابتداء فلا يقدر عليه إلا الله عز وجل ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها.
«فإن قلت» : ما وجه إضافة الذكر إلى ربه إذا أريد به الملك؟ وما هي بإضافة المصدر إلى الفاعل ولا إلى المفعول؟
قلت: قد لابسه في قولك: فأنساه الشيطان ذكر ربه، أو عند ربه فجازت إضافته إليه، لأنّ الإضافة تكون بأدنى ملابسة. أو على تقدير: فأنساه الشيطان ذكر أخبار ربه، فحذف المضاف الذي هو الإخبار.
«فإن قلت» : لم أنكر على يوسف الاستغاثة بغير الله في كشف ما كان فيه، وقد قال الله تعالى (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى) وقال حكاية عن عيسى عليه السلام (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ)
وفي الحديث «الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم» «1»
«من فرّج عن مؤمن كربة فرّج الله عنه كربة من كربات الآخرة»
وعن عائشة رضي الله عنها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذه النوم ليلة من الليالي، وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد فسمعت غطيطه «2» .
وهل ذلك إلا مثل التداوى بالأدوية والتقوّى بالأشربة والأطعمة. وإن كان ذلك لأنّ الملك كان كافرًا، فلا خلاف في جواز أن يستعان بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق ونحو ذلك من المضارّ؟
قلت: كما اصطفى الله تعالى الأنبياء على خليقته فقد اصطفى لهم أحسن الأمور وأفضلها وأولاها والأحسن والأولى بالنبي أن لا يكل أمره إذا ابتلي ببلاء إلا إلى ربه، ولا يعتضد إلا به، خصوصًا إذا كان المعتضد به كافرًا، لئلا يشمت به الكفار ويقولوا لو كان هذا على الحق وكان له رب يغيثه لما استغاث بنا «3» .
وعن الحسن أنه كان يبكى إذا قرأها ويقول: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة في أثناء حديث.
(2) متفق عليه من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة عنها بلفظ «أرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة. فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابى يحرسنى الليلة. قال: وسمعت صوت السلاح فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله جئت أحرسك. فقالت عائشة فنام حتى سمعت غطيطه» وغفل الحاكم فاستدركه.
(3) [[يقول العاجز الفقير: (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ) المراد به الشرابي، فيوسف - عليه السلام - لم يغفل عن الله طرفة عين وهو القائل (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ(33) . والله أعلم. اهـ] ].