فهرس الكتاب

الصفحة 1440 من 1739

«فإن قلت» : كيف أسند السلك بصفة التكذيب إلى ذاته؟

قلت: أراد به الدلالة على تمكنه مكذبا في قلوبهم أشدّ التمكن، وأثبته فجعله بمنزلة أمر قد جبلوا عليه وفطروا.

ألا ترى إلى قولهم: هو مجبول على الشح، يريدون: تمكن الشحّ فيه، لأنّ الأمور الخلقية أثبت من العارضة، والدليل عليه أنه أسند ترك الإيمان به إليهم على عقبه «1» ، وهو قوله (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) .

«فإن قلت» : ما موقع (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) من قوله (سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) ؟

قلت: موقعه منه موقع الموضح والملخص، لأنه مسوق لثباته مكذبا مجحودا في قلوبهم، فأتبع ما يقرّر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد.

ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمن به. وقرأ الحسن: فتأتيهم، بالتاء يعني: الساعة. وبغتة، بالتحريك. وفي حرف أبيّ: ويروه بغتة.

«فإن قلت» : ما معنى التعقيب في قوله (فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَيَقُولُوا) ؟

قلت: ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدّة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشدّ منها وهو لحوقه بهم مفاجأة، فما هو أشدّ منه وهو سؤالهم النظرة. ومثال ذلك أن تقول لمن تعظه: إن أسات مقتك الصالحون فمقتك الله، فإنك لا تقصد بهذا الترتيب أنّ مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين، وإنما قصدك إلى ترتيب شدّة الأمر على المسيء، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين، فما هو أشدّ من مقتهم: وهو مقت الله، وترى ثمّ يقع في هذا الأسلوب فيحل موقعه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود: «إن قلت: كيف أسند السلك بصيغة التكذيب إلى ذاته؟

قلت: المراد الدلالة على تمكنه مكذبا في قلوبهم أشد التمكن، فجعله بمنزلة أمر قد جبلوا عليه، بدليل أنه أسند إليهم ترك الإيمان به على عقبه في قوله: لا يؤمنون به»

قال أحمد: وما ينقم من بقائه على ظاهره إلا أنه التوحيد المحض والإيمان الصرف، وأن الله تعالى خلق قلوبهم نائية عن قبول الحق. والقدرية لا يبلغون في التوحيد إلى هذا الحد، والله سبحانه وتعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت