فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 1739

«فإن قلت» : كيف وقع ترك التناهي عن المنكر «1» تفسيرًا للمعصية والاعتداء؟

قلت: من قبل أنّ اللَّه تعالى أمر بالتناهي، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء، لأنّ في التناهي حسبما للفساد فكان تركه على عكسه.

«فإن قلت» : ما معنى وصف المنكر بـ (فعلوه) ولا يكون النهي بعد الفعل؟

قلت: معناه لا يتناهون عن منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوّى وتهيأ فتنكر.

ويجوز أن يراد: لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله. يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود: «إن قلت كيف وقع ترك التناهي ... الخ» ؟

قال أحمد: وفي هذا التوبيخ الاخبار بأمرين قبيحين، أحدهما: بأنهم كانوا يفعلون المناكر، والآخر: أنهم كانوا تاركين للنهى عنها، أي عن أمثالها في المستقبل ولولا زيادة (فَعَلُوهُ) لما صرح بوقوعها منهم، ولكان المصرح به ترك النهي عن المنكر عند استحقاق النهي، وذلك حين الاشراف على تعاطيه وظهور الأمارات الدالة عليه، فانتظم ثبوت الأمرين جميعًا على أخصر وجه وأبلغه وقد دلت هذه الآية على المذهب الصحيح الأشعرى، من أن متعلق النهي فعل وهو الترك، خلافا لأبى هاشم المعتزلي في قوله «إن متعلقه نفي محض وعدم صرف، ووجه دلالة الآية على أن متعلقه فعل أنه عبر عن ترك التناهى الذي وقع توبيخهم عليه بالفعل، حيث قال: (لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) أي لبئس الترك للتناهي فعلا، كما تقول: زيد بئس الرجل، فتجعل الرجل واقعا على زيد. وقد سمى تركهم للنهى عن المنكر في الآية السالفة قبل هذه صنعا، فقال: (لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ) إلى قوله: (لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) وذلك أبلغ في الدلالة على أن متعلق النهي أمر ثابت، إذ الصنع أمكن من الفعل في الدلالة على الإثبات، وقد مر هذا التقرير، واللَّه الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت