«فإن قلت» : ما معنى التوقع في قوله (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) ؟
قلت: معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل «1» ، تقليدًا للآباء. وكذبوه بعد التدبر، تمردًا وعنادًا، فذمّهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به، وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرّر عليهم التحدّى، ورازوا قواهم «2» في المعارضة واستيقنوا عجزهم عن مثله، فكذبوا به بغياً وحسدًا كَذلِكَ أي مثل ذلك التكذيب كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني قبل النظر في معجزات الأنبياء وقبل تدبرها من غير إنصاف من أنفسهم، ولكن قلدوا الآباء وعاندوا.
وقيل: هو في الذين كذبوا وهم شاكون.
ويجوز أن يكون معنى (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي عاقبته، حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق، يعني أنه كتاب معجز من جهتين:
من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب، فتسرّعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حدّ الإعجاز، وقبل أن يخبروا أخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: «معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل ... الخ»
قال أحمد: وكان التكذيب قبل الإحاطة بعلمه ربما يوهم عذرا ما للمكذب، فجاءت كلمة لما مشعرة بأنهم قد أحاطوا بعلمه حتى تنحسم أعذارهم ويتحقق شقاؤهم، والله أعلم.
(2) قوله «ورازوا قواهم» أي جربوها وخبروها. أفاده الصحاح.