فهرس الكتاب

الصفحة 696 من 1739

(وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(64)

«فإن قلت» : قد صح أن قولهم (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) عبارة عن البخل «1» . فما تصنع بقوله (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) ؟ ومن حقه أن يطابق ما تقدمه وإلا تنافر الكلام وزل عن سننه؟

قلت: يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق اللَّه وأنكدهم، ونحوه بيت الأشتر:

بَقِيتُ وَفْرى وَانْحَرَفْتُ عَنِ الْعُلَا ... وَلَقِيتُ أضْيَافِى بِوَجْهِ عَبُوسِ «2»

ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدى حقيقة، يغللون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم. والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز، كما تقول: سبني سب اللَّه دابره، أي قطعه لأنّ السب أصله القطع.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عاد كلامه. قال: ««فإن قلت» قد صح أن قولهم يد اللَّه مغلولة عبارة عن البخل ... الخ»

قال أحمد: لقد نقص فضيلته التي أوردها في هذا الفصل بما ضمنه هذا السؤال والجواب من القاعدة الفاسدة في أن اللَّه تعالى يستحيل عليه أن يريد من عباده شيئا مما نعاه عليهم، وبني على ذلك استحالة أن يدعو عليهم بالبخل لأنه لم يرده منهم، ويستحيل أن يريده منهم فوجه هذا النص بالتأويل والتمسك بالأباطيل. والحق أن اللَّه يدعو عليهم بالبخل ودعاؤه عبارة عن خلقه الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم، فهو الداعي والخالق، لا خالق إلا هو يخلق لهم البخل ويتقدس عنه (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) فليت الزمخشري لم يتحدث في تفسير القرآن إلا من حيث علم البيان، فإنه فيه أفرس الفرسان، لا يجارى في ميدانه ولا يماري في بيانه.

بقيت وفرى وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافى بوجه عبوس

إن لم أشن على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس

للأشتر النخعي. والبيت الأول في صورة الخبر. والمراد به إنشاء للدعاء على نفسه بالبخل.

ويجوز أنه من باب التعليق بالممتنع، والوفر المال الكثير ويروى بقيت وحدي أي فنيت عشيرتي أو بعدت عنها والانحراف التباعد عن حرف الشيء المحسوس كما أن العلى خاص بالمحسوسات، فيجوز أنه استعار الانحراف للاعراض والعدول على طريق التصريحية والعلى ترشيح. ويحتمل أنه استعار العلى للمكارم والانحراف ترشيح. وقوله بوجه عبوس: أي رجل عبوس، ففيه معنى التجريد إن لم أشن بالضم شرط دل ما قبله على جوابه، أي إن لم أفوق حربا على ابن حرب معاوية بن صخر بن حرب، بحيث تأتيه من كل فج. ويروى «على ابن هند» ولم تخل صفة غارة، ونهاب النفوس أخذ الأرواح بالقتل أو أسر الذوات. ويروى «ذهاب نفوس» أي فنائها. وفي الكلام الادماج، حيث ضمن تهديد معاوية مدح نفسه بالكرم، حتى أن البخل عنده من أكبر المصائب وأشد العار، حتى علقه بالممتنع فأفاد امتناعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت