فهرس الكتاب

الصفحة 1241 من 1739

«فإن قلت» : أما يجوز أن تقول: ما أنزلنا عليك القرآن أن تشقى، كقوله تعالى (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ) ؟

قلت: بلى ولكنها نصبة طارئة،

كالنصبة في (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ)

وأما النصبة في (تذكرة) فهي كالتي في ضربت زيدا، لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها.

«فإن قلت» : هل يجوز أن يكون (تَذْكِرَةً) بدلا من محل (لِتَشْقى) ؟

قلت: لا، لاختلاف الجنسين، ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي «إلا» فيه بمعنى «لكن» ويحتمل أن يكون المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل «1» متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم وغير ذلك من أنواع المشاق وتكاليف النبوّة، وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون تذكرة حالا ومفعولا له.

«فإن قلت» : ما فائدة النقلة من لفظ المتكلم إلى لفظ الغائب؟

قلت: غير واحدة منها عادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من الحسن والروعة.

ومنها أنّ هذه الصفات إنما تسردت مع لفظ الغيبة. ومنها أنه قال أولا (أَنْزَلْنا) ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع. ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد فضوعفت الفخامة من طريقين: ويجوز أن يكون (أَنْزَلْنا) حكاية لكلام جبريل والملائكة النازلين معه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود: «ويحتمل أن يكون المعنى إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل ... الخ»

قال أحمد: وفي هذا الوجه الثاني بعد، فإن فيه إثبات كون الشقاء سببا في نزوله عكس الأول وإن لم تكن اللام سببية فكانت للصيرورة مثلا ولم يكن فيه ما جرت عادة الله تعالى به مع نبيه صلى الله عليه وسلم من نهيه عن الشقاء والحزن عليهم وضيق الصدر بهم، وكان مضمون هذه الآية متباينا عن قوله تعالى (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) ، (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ) (ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) وأمثاله كثيرة فالظاهر والله أعلم هو التأويل الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت