فهرس الكتاب

الصفحة 1198 من 1739

«فإن قلت» : فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة، ولم دخلت عليها دون الأوّلين «1» ؟

قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الواقعة حال عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر. ومررت بزيد وفي يده سيف.

ومنه قوله تعالى: (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ) وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: (سبعة وثامنهم كلبهم) قالوا عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم.

والدليل عليه أنّ الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) وأتبع القول الثالث قوله (ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ)

وقال ابن عباس رضي الله عنه: حين وقعت الواو انقطعت العدّة، أي: لم يبق بعدها عدّة عادّ يلتفت إليها. وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.

وقيل: إلا قليل من أهل الكتاب.

والضمير في (سَيَقُولُونَ) على هذا لأهل الكتاب خاصة، أي: سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم بذلك إلا في قليل منهم، وأكثرهم على ظنّ وتخمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود: إن قلت «لم دخلت الواو في الجملة الأخيرة ... الخ» ؟

قال أحمد: وهو الصواب، لا كمن يقول: إنها واو الثمانية فإن ذلك أمر لا يستقر لمثبته قدم، ويعدون مع هذه الواو في قوله في الجنة (وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) بخلاف أبواب النار، فإنه قال فيها (فُتِحَتْ أَبْوابُها) قالوا: لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة.

وهب أن في اللغة واوا تصحب الثمانية فتختص بها، فأين ذكر العدد في أبواب الجنة حتى ينتهى إلى الثامن فتصحبه الواو، وربما عدوا من ذلك وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو الثامن من قوله (التَّائِبُونَ) وهذا أيضا مردود بأن الواو إنما اقترنت بهذه الصفة، لتربط بينها وبين الأولى التي هي (الآمرون بالمعروف) ، لما بينهما من التناسب والربط.

ألا ترى اقترانهما في جميع مصادرهما ومواردهما، كقوله (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وكقوله (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وربما عد بعضهم من ذلك الواو في قوله (ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا) لأنه وجدها مع الثامن، وهذا غلط فاحش، فإن هذه واو التقسيم، ولو ذهبت تحذفها فتقول: ثيبات أبكارا، لم يسند الكلام، فقد وضح أن الواو في جميع هذه المواضع المعدودة واردة لغير ما زعمه هؤلاء، والله الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت