«فإن قلت» : الإسراء لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل «1» ؟
قلت: أراد بقوله لَيْلًا بلفظ التنكير: تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشأم مسيرة أربعين ليلة، وذلك أنّ التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية.
ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة: من الليل، أي: بعض الليل، كقوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً) يعني الأمر بالقيام في بعض الليل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: ««فإن قلت» : الإسراء لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل ... الخ»؟
قال أحمد وقد قرن الإسراء بالليل في موضع لا يليق الجواب عنه بهذا، كقوله فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وكقوله تعالى (فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا) فالظاهر- والله أعلم- أن الغرض من ذكر الليل وإن كان الإسراء يفيده تصوير السير بصورته في ذهن السامع، وكأن الإسراء لما دل على أمرين، أحدهما: السير، والآخر: كونه ليلا. أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب، وتنبيها على أنه مقصود بالذكر. ونظيره في إفراد أحد ما دل عليه اللفظ المتقدم مضمومًا لغيره قوله تعالى (وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية، وكذلك المفرد، فأريد التنبيه لأن أحد المعنيين وهو التثنية مراد مقصود، وكذلك أريد الإيقاظ، لأن الوحدانية هي المقصودة في قوله (إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) ولو اقتصر على قوله إِنَّما هُوَ إِلهٌ لأوهم أن المهم إثبات الإلهية له، والغرض من الكلام ليس إلا الإثبات للوحدانية، والله أعلم.