«فإن قلت» : هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله (إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ) ؟
قلت: الرسول يكون بمعنى المرسَل، وبمعنى الرسالة، فجعل ثم بمعنى المرسَل فلم يكن بدّ من تثنيته، وجعل هاهنا بمعنى الرسالة فجاز التسوية فيه- إذا وصف به- بين الواحد والتثنية والجمع، كما يفعل بالصفة بالمصادر، نحو: صوم، وزور.
قال:
ألكنى إليها وخير الرّسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر «1»
فجعله للجماعة. والشاهد في الرسول بمعنى الرسالة قوله:
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول «2»
ويجوز أن يوحد، لأنّ حكمهما لتساندهما واتفاقهما على شريعة واحدة، واتحادهما لذلك وللإخوة كان حكما واحدا، فكأنهما رسول واحد. أو أريد أنّ كل واحد منا أَنْ أَرْسِلْ بمعنى: أي أرسل، لتضمن الرسول معنى الإرسال. وتقول: أرسلت إليك أن افعل كذا، لما في الإرسال من معنى القول، كما في المناداة والكتابة ونحو ذلك. ومعنى هذا الإرسال:
التخلية والإطلاق كقولك: أرسل البازي، يريد: خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين، وكانت مسكنهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لأبي ذؤيب. وألاكه يليكه: إذا أرسله. والمصدر إلاكة، فالهمزة زائدة. والأصل: لاك يلوك، كقام يقوم. وأما ألكه: إذا أرسله أيضا، فمصدره: ألوكة وأليكة ومألكة، بضم اللام وفتحها. ومألك بضمها.
وقيل: ألاكه، إذا تحمل رسالته. فالمعنى: أرسلنى، أو تحمل رسالتي إليها. ويروى: إليه: أي: إلى ذلك الأمر. والرسول في الأصل مصدر، فجاز إفراده مع تعدد معناه، ولذلك عاد إليه ضمير الجمع في أعلمهم. وشبه الخبر بمكان ذي جهات على طريق المكنية. والنواحي تخييل. أو شبه توابع الخبر التي يسأل عنها تبعا له بالنواحى على طريق التصريحية، يعني أنه أعلم من غيره بذلك.
حلفت برب الراقصات إلى مني ... خلال الملا يمددن كلّ جديل
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول
فلا تعجلي يا عز أن تنفهمى ... بنصح أتى الواشون أم بحبول
لكثير صاحب عزة. والراقصات: المطايا السائرات إلى مني في الحج، خلال الملا: أي في أثناء الناس. والجديل الرسن في عنقها تمده به. والواشي: الذي يحسن الكلام ويموهه، ويخلط الصدق بالكذب، ويحرف الكلم عن مواضعه. و «ما» نافية، أي: ما تفوهت عندهم بسر، ولا أرسلتهم إلى أحد برسول، أي برسالة، فهو في الأصل مصدر. وقد يطلق على المرسل، وهو الظاهر في رواية، «ولا راسلتهم برسول» أي لا شافهتهم بالسر ولا أرسلت إليهم رسولا به، وهذه الرواية أوفق بالمقابلة. ويمكن أن أرسلتهم بمعنى أرسلت إليهم، والأصل: يا عزة، فرخم بحذف التاء، أن تنفهمى، أي: في أن تنفهمى. أو لأجل أن تنفهمى، بنصح، أي: أبنصح أتى الواشون إليك، أم بحبول: جمع حبل بالكسر: وهي الداهية العظيمة، ولا أدهى من الكذب.