«فإن قلت» : أي نكتة في إضافته إليهم «1» ؟
قلت: فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم، وأن اللَّه بريء منه ردًّا لاعتقاد الكفرة القائلين: لو شاء اللَّه ما أشركنا، ونفيًا لوهم من عسى يتوهم «2» عند إسناد المدّ إلى ذاته لو لم يضف الطغيان اليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته. ومصداق ذلك أنه حين أسند المدّ إلى الشياطين، أطلق الغيّ ولم يقيده بالإضافة في قوله: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ) .
والعمه: مثل العمى، إلا أن العمى عامّ في البصر والرأى، والعمه في الرأى خاصة، وهو التحير والتردّد، لا يدرى أين يتوجه. ومنه قوله: بالجاهلين العمه، أي الذين لا رأى لهم ولا دراية بالطرق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود رحمه اللَّه: ««فإن قلت» : ما النكتة في إضافة الطغيان إليهم ... الخ»؟
قال أحمد رحمه اللَّه: كل فعل صدر من العبد اختيارًا فله اعتباران: إن نظرت إلى وجوده وحدوثه وما هو عليه من وجوه التخصيص، فانسب ذلك إلى قدرة اللَّه وحده وإرادته لا شريك له. وإن نظرت إلى تميزه عن القسر الضروري فانسبه في هذه الجهة إلى العبد، وهي النسبة المعبر عنها شرعا بالكسب في أمثال قوله تعالى: (فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ، وهي المتحققة أيضًا إذا عرضت على ذهنك الحركتين الضرورية الرعشية مثلا والاختيارية، فإنك تميز بينهما لا محالة بتلك النسبة. فإذا تقرر تعدد الاعتبار فمدهم في الطغيان مخلوق للَّه تعالى فأضافه إليه. ومن حيث كونه واقعًا منهم على وجه الاختيار المعبر عنه بالكسب أضافه إليهم. ففرع على أصول السنة بحسن ثمار فروعك في الجنة، لا كما تفرع القدرية فإنهم يخبون ولكن على أنفسهم. ألهمنا اللَّه التحقيق وأيدنا بالتوفيق.
(2) قوله «ونفيًا لو هم من عسى ... الخ» يريد الرد على أهل السنة القائلين: إن اللَّه تعالى هو الفاعل في الحقيقة للخير والشر. وينتصر للمعتزلة القائلين بأنه تعالى لا يفعل الشر ولا يريده