فهرس الكتاب

الصفحة 892 من 1739

«فإن قلت» : كيف علق رفعه بمشيئة الله تعالى ولم يعلق بفعله الذي يستحق به الرفع؟

قلت: المعنى: ولو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها. وذلك أن مشيئة الله تعالى رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة. والمراد: ما هي تابعة له ومسببة عنه، كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها.

ألا ترى إلى قوله (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ) فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أن يكون وَلَوْ شِئْنا في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ.

فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ فصفته التي هي مثل في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها وهي حال دوام اللهث «1» به واتصاله، سواء حمل عليه- أي شدّ عليه وهيج فطرد- أو ترك غير متعرّض له بالحمل عليه. وذلك أنّ سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا هيج منه وحرّك، وإلا لم يلهث، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعًا، وكان حق الكلام أن يقال: ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه ووضعنا منزلته، فوضع قوله (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) موضع حططناه أبلغ حط، لأنّ تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك.

وعن ابن عباس رضي الله عنه، الكلب منقطع الفؤاد، يلهث إن حمل عليه أو لم يجمل عليه.

وقيل: معناه إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال، كالكلب إن طردته فسعى لهث، وإن تركته على حاله لهث.

«فإن قلت» : ما محل الجملة الشرطية؟

قلت: النصب على الحال، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلا دائم الذلة لاهثًا في الحالتين.

وقيل: لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل يلهث كما يلهث الكلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت