«فإن قلت» : كم من مصل يرتكب ولا تنهاه صلاته؟
قلت الصلاة التي هي الصلاة عند الله المستحق بها الثواب: أن يدخل فيها مقدّما للتوبة النصوح، متقيا، لقوله تعالى (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) ويصليها خاشعا بالقلب والجوارح، فقد روى عن حاتم: كأنّ رجلي على الصراط والجنة عن يميني والنار عن يساري وملك الموت من فوقي، وأصلي بين الخوف والرجاء، ثم يحوطها بعد أن يصليها فلا يحبطها، فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا «1» .
وعن الحسن رحمه الله: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، وهي وبال عليه. وقيل: من كان مراعيا للصلاة جرّه ذلك إلى أن ينتهي عن السيئات يوما ما، فقد روى أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل، فقال «إنّ صلاته لتردعه» «2» وروي أنّ فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات، ولا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه، فوصف له فقال «إن صلاته ستنهاه» فلم يلبث أن تاب «3» .
وعلى كل حال إنّ المراعي للصلاة لا بدّ أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها.
وأيضا فكم من مصلين تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضي أن لا يخرج واحد من المصلين عن قضيتها، كما تقول: إنّ زيدا ينهى عن المنكر فليس غرضك أنه ينهى عن جميع المناكير، وإنما تريد أنّ هذه الخصلة موجودة فيه وحاصلة منه من غير اقتضاء للعموم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الطبراني من رواية العلاء بن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس بهذا موقوفا. ورواه الطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق ليث عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا. وفي الباب عن ابن عمر. أخرجه الدارقطني في غرائب مالك. وفي إسناده محمد بن الحسن البصري. قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. يروى عن مالك ما لا أصل له. وأخرجه أحمد في الزهد من قول ابن مسعود. وأخرجه عبد الرزاق والطبري والبيهقي في الشعب من مرسل الحسن
(2) أخرجه أحمد وإسحاق وابن حبان والبزار وأبو يعلى من طريق عيسى بن يونس ووكيع ومجاهد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن فلانا يصلى بالليل فإذا أصبح سرق.
فقال إن صلاته ستنهاه ورواه البزار من طريق زياد البكائى وأبو يعلى من طريق أبي إسحاق الفزاري كلاهما عن الأعمش عن أبي صالح عن جابر. قال البزار: اختلف فيه عن الأعمش فقيل عنه أيضا عن أبي سفيان عن جابر.
(3) لم أجده.