أى: لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمنّ له إِلى (ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ) أصنافًا من الكفار.
«فإن قلت» : كيف وصل هذا بما قبله «1» ؟
قلت: يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
قد أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة وإن عظمت فهي إليها حقيرة ضئيلة، وهي القرآن العظيم، فعليك أن تستغني به، ولا تمدّن عينيك إلى متاع الدنيا. ومنه الحديث «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن، «2» وحديث أبي بكر «من أوتي القرآن فرأى أن أحدًا أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيما وعظم صغيرًا «3» »
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال محمود: «إن قلت كيف وصل هذا بما قبله ... الخ» ؟
قال أحمد: وهذا هو الصواب في معنى الحديث، وقد حمله كثير من العلماء على الغناء، وادعى هؤلاء أن «تغنى» إنما يبني من الغناء الممدود لا من الغنى المقصور، وأن فعله استغنى خاصة، وقد وجدت بناء تغنى من الغنى المقصور في الحديث الصحيح في الخيل. وأما التي هي ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا، وإنما هذا من الغنى المقصور قطعا واتفاقا، وهو مصدر تعنى، فدل ذلك على أنه مستعمل من البناءين جميعًا على خلاف دعوى المخالف، والله الموفق.
(2) أخرجه البخاري من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة وفي الباب عن سعد وأبى لبابة عند أبي داود. قال المخرج ذهل النووي وقبله المذرى، ثم الطيبي فعزوه لأبى داود ولم يعزوه للبخاري وأخطأ القرطبي فعزاه لمسلم لا للبخاري، ولم يذكره صاحب جامع الأصول، وعزاه الحاكم للشيخين والذي في الصحيحين حديث أبي هريرة «ما أذن الله لشيء كاذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به» «فائدة» قال البيهقي في السنن في كتاب الشهادات، أخبرنا الحاكم عن أبي الأصم سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: ليس منا من لم يتغن بالقرآن. فقال له رحل: يستغن؟ قال: ليس هذا معناه، أي معناه يقرأه تحزينا.
(3) لم أجده عن أبي بكر، وأخرجه ابن عدى في ترجمة حمزة النصيبي عن زيد بن رفيع عن أبي عبيدة عن ابن مسعود رفعه «من تعلم القرآن فظن أن أحدًا أغنى منه فقد حقر عظيما وعظم صغيرا» وحمزة اتهموه بالوضع.
وأخرجه إسحاق والطبري من حديث عبد الله بن عمر بلفظ «من أعطى القرآن فرأى أن أحدا أعطى أفضل مما أعطى فقد عظم ما صغر الله وصغر ما عظم الله- الحديث»