«فإن قلت» : كيف صح وقوع قوله (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) جوابًا عن قولهم (فِيمَ كُنْتُمْ) ؟ وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا أو لم نكن في شيء؟
قلت: معنى (فِيمَ كُنْتُمْ) للتوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء، فبكتتهم الملائكة بقولهم (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.
وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب، لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق اللَّه وأدوم على العبادة- حقت عليه المهاجرة.