«فإن قلت» : وما مثله حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل؟
قلت: معناه فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم. أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرا عربيًا أو أميًا لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء، ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك. ولكنه نحو قول القبعثرى للحجاج- وقد قال له: لأحملنك على الأدهم-: مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب. أراد
من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد. ولم يقصد أحدا يجعله مثلا للحجاج.
وردّ الضمير إلى المنزل أوجه، لقوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) . (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ) ، (عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) ، ولأن القرآن جدير بسلامة الترتيب والوقوع على أصح الأساليب، والكلام مع ردّ الضمير إلى المنزل أحسن ترتيبا.
وذلك أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه، وهو مسوق إليه ومربوط به، فحقه أن لا يفك عنه برد الضمير إلى غيره. ألا ترى أن المعنى: وإن ارتبتم في أنّ القرآن منزل من عند اللَّه. فهاتوا أنتم نبذًا مما يماثله ويجانسه. وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودًا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن يقال: وإن ارتبتم في أنّ محمدًا مُنزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله. ولأنهم إذا خوطبوا جميعًا- وهم الجم الغفير- بأن يأتوا بطائفة يسيرة من جنس ما أتى به واحد منهم، كان أبلغ في التحدّى من أن يقال لهم: ليأتى واحد آخر بنحو ما أتى به هذا الواحد، ولأنّ هذا التفسير هو الملائم لقوله: (وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ) والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة.