* «فإن قلت» : أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة كقولك: الحمد للَّه الحميد.
«إنا معشر الأنبياء لا نورث» «1»
إنا بني نهشل لا ندعى لأب؟
قلت: قد جاء نكرة كما جاء معرفة. وأنشد سيبويه فيما جاء منه نكرة قول الهذلي:
وَيَأْوِى إلَى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ... وَشُعْثًا مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِى «2»
«فإن قلت» : هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائمًا بالقسط إلا هو؟
قلت: لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف.
«فإن قلت» : قد جعلته حالا من فاعل شهد، فهل يصح أن ينتصب حالا عن «هو» في: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ؟
قلت: نعم، لأنها حال مؤكدة والحال المؤكدة لا تستدعى أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقولك: أنا عبد اللَّه شجاعًا. وكذلك لو قلت: لا رجل إلا عبد اللَّه شجاعًا. وهو أوجه من انتصابه عن فاعل شهد، وكذلك انتصابه على المدح.
«فإن قلت» : هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة اللَّه والملائكة وأولى العلم كما دخلت الوحدانية؟
قلت: نعم إذا جعلته حالا من هو، أو نصبًا على المدح منه، أو صفة للمنفي، كأنه قيل: شهد اللَّه والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، وأنه قائم بالقسط.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) . أخرجه أحمد، حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا بهذا. ورواه النسائي في الكبرى، من رواية ابن عيينة عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: قال عمر لعبد الرحمن وسعد وعثمان وطلحة والزبير «أنشدكم باللَّه الذي قامت له السماوات والأرض، أسمعتم النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول- فذكره، وفيه قالوا: اللهم نعم» وأخرجه في الكنى في ترجمة أبي إدريس تلميذ أبي سليمان من رواية عن عبد الملك بن عمر عن أبي هريرة مثله. وأصله متفق عليه من حديث عائشة بلفظ «لا نورث ما تركنا صدقة»
(2) . للهذلى يصف رجلا يصيد ويرجع إلى زوجته وبناته عطل عاريات من الحلي والثياب. وشعثا نصب على الذم، أي وأذم شعثا أي مغبرات الوجوه من الجوع. والعطل: جمع عاطلة. والشعث. جمع شعثاء، كسود وسوداء.
ومراضيع: جمع مرضاع قياسا، أو مرضع سماعا، أي ترضع أولادها مثل السعالى جمع سعلاة وهي أنثى الشياطين، أي كريهات المنظر مثل الأغوال. وهي أقبح شيء عند العرب.