«فإن قلت» : هل يجوز أن يجرى الموصول الأوّل على المتقين، وأن يرتفع الثاني على الابتداء وأولئك خبره؟
قلت: نعم على أن يجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضًا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوّة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند اللَّه. وفي اسم الإشارة الذي هو (أولئك) إيذان بأنّ ما يرد عقيبه فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عدّدت لهم، كما قال حاتم: وللَّه صعلوك ثم عدّد له خصالا فاصلة، ثم عقب تعديدها بقوله:
فَذلِكَ إنْ يَهْلِكْ فَحسْبى ثَنَاؤُهُ ... وَإنْ عاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفًا مُذَمَّمَا
ومعنى الاستعلاء في قوله: (عَلى هُدىً) مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به. شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه. ونحوه: هو على الحق وعلى الباطل.
وقد صرّحوا بذلك في قولهم: جعل الغواية مركبًا، وامتطى الجهل «1» واقتعد غارب الهوى.
ومعنى (هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) أي منحوه من عنده وأوتوه من قبله، وهو اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير، والترقي إلى الأفضل فالأفضل. ونكر (هدى) ليفيد ضربا مبهمًا لا يبلغ كنهه، ولا يقادر قدره كأنه قيل: على أي هدى، كما تقول: لو أبصرت فلانا لأبصرت رجلا. وقال الهذلي:
فَلَا وَأَبِى الطّيْرِ المُرِبَّةِ بالضُّحَى «2» ... عَلى خالِدٍ لَقدْ وَقَعْتِ على لَحَم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوله «وامتطى الجهل» أي اتخذ الجهل مطية، واتخذ الهوى قعودًا. والقعود من الإبل: البكر حين يركب. والغارب: ما بين السنام إلى العنق، كما في الصحاح.
(2) قوله
«وأبى الطير المربة بالضحى»
أى المجتمعة العاكفة. أفاده الصحاح.