فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 1739

* «فإن قلت» : كانوا كافرين بعيسى عليه السلام، أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر بن الساحرة، والفاعل بن الفاعلة، فكيف قالوا (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) ؟

قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)

ويجوز أن يضع اللَّه الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعًا لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله: (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) .

«فإن قلت» : شُبِّهَ مسند إلى ماذا؟ إن جعلته مسندًا إلى المسيح، فالمسيح مشبه به وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر قلت: هو مسند إلى الجار والمجرور وهو قولهِم كقولك خيل إليه، كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه.

ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول لأنّ قوله: إنا قتلنا يدل عليه، كأنه قيل: ولكن شبه لهم من قتلوه إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ استثناء منقطع لأنّ اتباع الظن ليس من جنس العلم، يعني: ولكنهم يتبعون الظن.

«فإن قلت» : قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين «1» ، ثم وصفوا بالظن والظن أن يترجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين؟

قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا، فذاك وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا وما قتلوه قتلا يقينًا. أو ما قتلوه متيقنين، كما ادّعوا ذلك في قولهم (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ) أو يجعل (يَقِينًا) تأكيدًا لقوله: (وَما قَتَلُوهُ) كقولك: ما قتلوه حقا أي حق انتفاء قتله حقا.

وقيل: هو من قولهم: قتلت الشيء علمًا ونحرته علمًا إذا تبلغ فيه علمك. وفيه تهكم، لأنه إذا نفي عنهم العلم نفياً كليا بحرف الاستغراق.

ثم قيل: وما علموه علم يقين وإحاطة لم يكن إلا تهكما بهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال محمود: «إن قلت قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح ... الخ»

قال أحمد: وليس في هذا الجواب شفاء للغليل. والظاهر واللَّه أعلم أنهم كانوا أغلب أحوالهم الشك في أمره والتردد فجاءت العبارة الأولى على ما يغلب من حالهم ثم كانوا لا يخلون من ظن في بعض الأحوال وعنده يقفون لا يرفعون إلى العلم فيه ألبتة وكيف يعلم الشيء على خلاف ما هو به فجاءت العبارة الثانية على حالهم النادرة في الظن نافية عنهم ما يترقى عن الظن ألبتة، واللَّه أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت