كما كان مستقرًا ثابتًا ذاهبًا «1» في جهاته (فَسَوْفَ تَرانِي) تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا ويسويه بالأرض، وهذا كلام مدمج بعضه في بعض، وارد على أسلوب عجيب ونمط بديع.
ألا ترى كيف تخلص من النظر إلى النظر بكلمة الاستدراك؟ ثم كيف بنى الوعيد بالرجفة الكائنة بسبب طلب النظر على الشريطة في وجود الرؤية؟ أعني قوله (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) فلما ظهر له اقتداره وتصدى له أمره وإرادته (جَعَلَهُ دَكًّا) أي مدكوكا.
«فإن قلت» : فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته، فممّ تاب «2» ؟
قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة وإن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عاد كلامه. قال: «ومعنى فإن استقر مكانه: فإن ثبت كما كان ذاهبا ... الخ»
قال أحمد: وهذا من حيل القدرية في إحالة الرؤية يقولون: قد علقها الله على شرط محال وهو استقرار الجبل حال دكه، والمعلق على المحال محال. وهذه حيلة باطلة، فإن المعلق عليه استقرار الجبل من حيث هو استقرار، وذلك ممكن جائز، وتعلق العلم بأنه لا يستقر له، لا يرفع إمكان استقراره، وتعلق العلم لا يغير المعلوم ولا ينقل حكمه من إمكان إلى امتناع ولا العكس. وحينئذ يتوجه دليلا لأهل السنة فنقول: استقرار الجبل ممكن، وقد علق عليه وقوع الرؤية، والمعلق على الممكن ممكن، والمعتزلة يعتقدون أن خلاف المعلوم لا يجوز أن يكون مقدورًا ونحن نقول مقدور، ولكن ما تعلقت المشيئة بإيجاده. وقولنا أقعد بالآداب، وأسعد بالإجلال في الخطاب.
(2) عاد كلامه. قال: ««فإن قلت» إن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته فمم تاب ... الخ»؟
قال أحمد:
أما دك الجبل، فقد سلف الكلام على سره. وأما تسبيح موسى عليه السلام فلما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه وعن الخلف في خبره الحق وقوله الصدق، فلما تبين أن مطلوبه كان خلاف المعلوم سبح الله وقدس علمه وخبره عن الخلف. وأما التوبة في حق الأنبياء فلا تستلزم كونها عن ذنب، لأن منصبهم الجليل ينبغي أن يكون منزهًا مبرا من كل ما ينحط به، ولا شك أن التوقف في سؤال الرؤية عن الاذن كان أكمل. وقد ورد: سيئات المقربين حسنات الأبرار.