«فإن قلت» : كيف يكون المطر مكانا للبرق والرعد وإنما مكانهما السحاب؟
قلت إذا كانا في أعلاه ومصبه وملتبسين في الجملة فهما فيه.
ألا تراك تقول: فلان في البلد، وما هو منه الا في حيز يشغله جرمه.
«فإن قلت» : هلا جمع الرعد والبرق أخذا بالأبلغ كقول البحتري:
يَا عَارِضًا مُتَلِّفعًا ببُرُودِهِ ... يَخْتالُ بَيْنَ بُرُوقِهِ ورُعُودِهِ «1»
وكما قيل ظلمات؟
قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد العينان، ولكنهما لما كانا مصدرين في الأصل- يقال: رعدت السماء رعدًا وبرقت برقا-، روعي حكم أصلهما بأن ترك جمعهما وإن أريد معنى الجمع. والثاني: أن يراد الحدثان كأنه قيل: وإرعاد وإبراق. وإنما جاءت هذه الأشياء منكرات، لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل: فيه ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطف.
وجاز رجوع الضمير في يجعلون إلى أصحاب الصيب مع كونه محذوفا قائما مقامه الصيب، كما قال: (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) ، لأن المحذوف باق معناه وإن سقط لفظه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يا عارضا متلفعا ببروده ... يختال بين بروقه ورعوده
إن شئت عدت لأرض تجد عودة ... فحللت بين عقيقه وزروده
لتجود في ربع بمنعرج اللوى ... قفر تبدل وحشة من غيده
للبحتري يخاطب السحاب لأنه شبهه لتكاثفه وتراكمه بإنسان متلفع بثيابه. وإثبات التلفع بالبرود والاختيال تخييل وبنى على ذلك إثبات المشيئة وجمع البرق والرعد مع أنهما مصدر ان للدلالة على الكثرة والتعدد المرات. والعقيق والزرود موضعان بعينهما. والمنعرج- على زنة اسم المفعول- المكان الذي ينعطف فيه السائر يمنة ويسرة. واللوى الرمل الملتوى. والأغيد: الناعم الجميل، مؤنثه غيداء، والغيد- كالبيض- جمعه. والجود: الأمطار.
يلتمس من السحاب المعترض في الأفق أن يمطر في ربع الأحبة بالمكان المنعطف، ثم وصف الربع بأنها قفر لا نبات فيه، وصار فيه وحشة بالوحوش بدل الأنس بالأحبة.