[السُّؤَالُ] ـ[هل يحاسب الشخص على من أين تأتي أموال شركة يشارك فيها كثير من الأطراف وتعمل في مشروع مباح رغم أنه ليس المسئول عن الطريقة التي يحصل بها الأخرون على أموالهم؟ وليس ما يفعله هو بشخصه من عمل حلال لأجل المشاركة في شركة حلال والحصول على ربحها الحلال؟ ومثلا لو فتحت سوبرماركت وبعت لكل الناس التي تتعامل بالحلال والحرام فهل يصبح في مالي شبهة لاحتمال التعامل مع من يتعامل بالحرام (مع علمي التام مثلا أن بعضهم يتعامل بالحرام) ولكني أعامله معاملة الشراء والبيع للسلع؟ وهل لو عملت في عمل حلال عند شخص ماله حرام أو فيه شبهة فهل أحاسب على تعاملي معه (كمثل الطباخين والخادمين أو سائقين عند المرابين أو مودعي الودائع في البنوك) رغم أنى أعمل عملا بعيدا عن عمله؟ وهل علي التحري عن الناس حتى أعاملهم أم ما أعرفه بالمصادفة هو ما سأحاسب عليه؟ وهل الأب الذي يتعامل مع البنوك ولا يدفع الزكاة عندما يتوفى يصبح ماله (رأس ماله مع عدم القدرة على معرفة حلاله من حرامه وكل ما يملكه لحظة وفاته) فيه شبهة تضر الوارثين وتحتم عليهم أن يتخلصوا من المال الذي ورثوه أو أن يتحملوا وزرا مع أبيهم لو استفادوا مما ورثوه رغم أنهم لم يكن لهم أي سلطه على إدارة هذه الأموال عندما كان أبوهم حيًا؟
أرجو معرفة القاعدة الشرعية التي تحكم كل هذه المعاملات والتي يستند إليها في الإفتاء على مثل هذه المسائل حتى لا أصبح في متاهة عند كل تعامل مع المجتمع. وليجازي الله كل أولى الأمر الذين حولوا حياتنا إلى حرام في حرام وجعلونا محاربين من الله ورسوله ولا يستجاب لنا دعاء؟] ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد سبق أن بينا أن معاملة حائز المال الحرام بالبيع أو الشراء أو الشركة أو نحو ذلك تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تكون معاملة حائز المال الحرام في عين المال الحرام الذي لم يخالطه مال حلال، فإذا وقع العلم بأن هذا المال من كسب حرام وجب اجتنابه، وحرمت معاملة صاحبه بأي وجه من وجوه المعاملة، سواء كانت بيعًا أو شراء أو قبول هدية أو قرضًا.
القسم الثاني: معاملة صاحب الحرام إذا اختلط بما عنده من مال حلال وهذا القسم مختلف في جواز معاملة صاحبه، والراجح هو جواز معاملته مع الكراهة، وراجعي لتفصيل الكلام في ذلك الفتوى رقم: 7707 , والفتوى رقم: 17220.
ولا يلزم عند التعامل مع الغير بالبيع أو الشراء ونحو ذلك، البحث والتفتيش عن مصدر المال، بل إن البحث والتفتيش عن ذلك من التنطع المذموم والابتداع في الدين، فما علم المسلم أنه حرام اجتنبه وما لا يعلم فلا يبحث ولا يفتش عن مصدره، بل يبني الأمر على الأصل وهو حل المال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى:"ما في الوجود من الأموال المغصوبة والمقبوضة بعقود لا تباح بالقبض إن عرفه المسلم اجتنبه فمن علمت أنه سرق مالا أو خانه في أمانته أو غصبه فأخذه من المغصوب قهرًا بغير حق لم يجز لي أن آخذه منه لا بطريق الهبة ولا بطريق المعاوضة ولا وفاء عن أجرة ولا ثمن مبيع ولا وفاء عن قرض فإن هذا عين مال ذلك المظلوم، وإن كان مجهول الحال فالمجهول كالمعدوم والأصل فيما بيد المسلم أن يكون ملكًا له إن ادعى أنه ملكه، فإذا لم أعلم حال ذلك المال الذي بيده بنيت الأمر على الأصل، ثم إن كان ذلك الدرهم في نفس الأمر قد غصبه هو ولم أعلم أنا كنت جاهلًا بذلك، والمجهول كالمعدوم، لكن إن كان ذلك الرجل معروفا بأن في ماله حرامًا ترك معاملته ورعا، وإن كان أكثر ماله حراما ففيه نزاع بين العلماء، وأما المسلم المستور فلا شبهة في معاملته أصلًا، ومن ترك معاملته ورعًا كان قد ابتدع في الدين بدعة ما أنزل الله بها من سلطان"اهـ بتصرف يسير من مجموع الفتاوى.
وإذا مات المسلم الذي يتعامل مع البنوك ولا يدفع الزكاة، فيجب قبل تقسيم ميراثه أن يخرج منه قدر الزكاة التي ترك إخراجها، وقدر ما في هذا المال من الربا إن أمكن معرفة ذلك القدر، وإلا فليجتهد الورثة في تقدير ذلك بحيث يغلب على ظنهم أنه ليس في المال من مال الزكاة والربا أكثر من ذلك ثم يخرجوه، وراجعي لتفصيل ذلك الفتاوى ذات الأرقام التالية: 45392، 4680، 35958، 9616.
وإذا فعل الورثة ذلك فقد أدوا ما عليهم ولا وزر عليهم في منع مورثهم الزكاة أو تعامله بالربا ما داموا لم يشاركوه في ذلك أو يعاونوه عليه.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 19 شوال 1426