فالجواب أن معنى قولنا: إن أفعال الله تعالى لا تعلّل، أي لا تجب ولكنها لا تخلو عن الحكمة، وقد أجاب الملائكة عن قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا} (البقرة: 30) بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مََا لََا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 30) .
ولو كان فعله [1] سبحانه مجردا عن الحكم والغايات لم يسأل [2] الملائكة عن حكمته ولم يصحّ الجواب بكونه يعلم ما لا يعلمون من الحكمة والمصالح، وفرق بين العلم والحكمة ولأنّ لام العاقبة إنما تكون في حق من يجهل العاقبة، كقوله: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ 3/ 93 عَدُوًّا وَحَزَنًا} (القصص: 8) وأما من هو بكل شيء عليم فمستحيلة في حقه وإنما اللام الواردة في أحكامه وأفعاله لام الحكمة والغاية المطلوبة من الحكمة. ثم قوله: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} (القصص: 8) هو تعليل لقضاء الله بالتقاطه وتقديره لهم، فإن التقاطهم له إنما كان بقضائه وقدره، وذكر فعلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه حزنا لهم وحسرة عليهم.
قاعدة تفسيرية [3] :
حيث دخلت [4] واو العاطف على لام التعليل فله وجهان:
أحدهما: أن يكون تعليلا معلّله محذوف، كقوله تعالى: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلََاءً حَسَنًا} (الأنفال: 17) فالمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ذلك.
[وقوله] [5] الثاني: أن يكون معطوفا على علة أخرى مضمرة، ليظهر صحة العطف، كقوله تعالى: {وَخَلَقَ اللََّهُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى ََ} (الجاثية: 22) التقدير: ليستدلّ بها المكلف على قدرته تعالى ولتجزى. وكقوله: {وَكَذََلِكَ مَكَّنََّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ} (يوسف: 21) التقدير: ليتصرف فيها ولنعلمه.
والفرق بين الوجهين أنه في الأول عطف جملة على جملة، وفي الثاني عطف مفرد على مفرد.
وقد يحتملهما الكلام، كقوله تعالى: {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ} (البقرة: 259) ، فالتقدير على الأول، ولنجعله آية فعلنا ذلك، وعلى الثاني: ولنبين للناس [6] قدرتنا ولنجعله آية. ويطّرد الوجهان في نظائره، ويرجّح كل واحد بحسب المقام، وحذف المعلّل هاهنا
(1) في المخطوطة «تعليمه» .
(2) في المخطوطة «تسأل» .
(3) تأخرت القاعدة في المخطوطة إلى ما بعد القسم الثالث وهو «الإتيان بكي» .
(4) في المخطوطة «دلّت» .
(5) ساقط من المطبوعة.
(6) في المخطوطة «له» .